لم تعد الحرب في دارفور مجرد مواجهة عسكرية للسيطرة على المدن والطرق الاستراتيجية، بل امتدت إلى مصادر الحياة الأساسية، بعدما تحولت آبار المياه في محلية أمبرو بولاية شمال دارفور إلى نقاط سيطرة عسكرية، وسط اتهامات لقوات الدعم السريع بحرمان السكان من الوصول إليها، ودفع آلاف المدنيين إلى الفرار باتجاه الجبال والحدود التشادية.
المشهد الإنساني في المنطقة ينذر بكارثة تتجاوز آثار المعارك المباشرة؛ فعائلات تغادر منازلها بلا ماء أو غذاء كافٍ، ورعاة يتركون مواشيهم، وأسواق ومراكز صحية تتعرض للنهب والتدمير، بينما تنقطع الاتصالات ويصبح مصير السكان الذين لم يتمكنوا من الفرار مجهولا.
الآبار تحت السيطرة العسكرية
في مناطق أم حراز وأروري ومجور، أصبحت مصادر المياه محور الأزمة الجديدة. ووفقا لشهادات نقلتها الجزيرة، وضعت قوات الدعم السريع مركبات مسلحة حول عدد من الآبار، ومنعت السكان والرعاة من الوصول إليها.
وقال الناطق باسم المقاومة الشعبية، أبو بكر أحمد إمام، إن القوات سيطرت على حفيرة وادي أمبار، ودونكي سكر، وآبار أم حراز وأم مراحيك وحوش ومجور، مؤكدا أن هذه المصادر تمثل شريان الحياة للمجتمعات المحلية.
وتأتي هذه الاتهامات عقب إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على مناطق مزبد وأروري وكامو الاستراتيجية، بعد معارك قالت إنها خاضتها ضد الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه.
وأكدت القوات في بيانها أنها ستواصل عملياتها في الإقليم، وأنها ملتزمة بحماية المدنيين واستعادة الخدمات الأساسية، بما فيها المياه والعلاج.
لكن رواية المقاومة الشعبية تتحدث عن واقع مختلف، يتضمن حرق الأسواق وتدمير المرافق الصحية والاستيلاء على مصادر المياه، وهي اتهامات تستدعي تحقيقا مستقلا لتحديد الوقائع والمسؤوليات.
المياه تتحول إلى أزمة إنسانية
خطورة التطورات لا تتوقف عند حرمان السكان من مياه الشرب، وإنما تمتد إلى تهديد النشاط الرعوي الذي تعتمد عليه آلاف الأسر في معيشتها.
فالماشية تمثل مصدرا رئيسيا للغذاء والدخل، وغياب المياه يعني تعرضها للنفوق، وفقدان الأسر أحد أهم مصادر بقائها الاقتصادي.
وسبق أن تعرضت مصادر مياه في شمال دارفور لهجمات بطائرات مسيرة. ففي 21 يوليو 2026، أدى استهداف مورد المياه في منطقة بئر أندور بمحلية الطينة إلى مقتل 21 مدنيا على الأقل وإصابة 30 آخرين، كانوا يتجمعون للحصول على المياه.
كما تعرضت منطقة بئر عم صالح بمحلية كرنوي للقصف في 12 مايو الماضي، ما أدى إلى خروج البئر عن الخدمة ونفوق عدد من الماشية، وفقا لغرفة طوارئ كرنوي.
وتكشف هذه الوقائع أن استهداف البنية الأساسية للمياه أصبح أحد أخطر أوجه التدهور الإنساني في الإقليم.
تحذيرات أممية من اتساع الكارثة
تتزامن أزمة أمبرو مع تحذيرات دولية متكررة من تفاقم الأوضاع الإنسانية في السودان.
وحذر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في سياق التطورات الدامية بمدينة الفاشر، من الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها المدنيون، بما يشمل القتل والنهب والعنف الجنسي، ودعا إلى حماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
كما أظهرت تقارير أممية بشأن الفاشر وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية خلال الهجمات التي شهدتها المدينة.
ومن جانبها، حذرت منظمة الصحة العالمية، عبر مسؤولها في السودان الدكتورة عبد الناصر أبو بكر، من حجم الاحتياجات الصحية والإنسانية، في ظل النقص الحاد في الخدمات والإمدادات الطبية وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في أمبرو، حيث يجتمع نقص المياه مع تراجع الخدمات الصحية، بما يرفع مخاطر انتشار الأمراض وسوء التغذية، خصوصا بين الأطفال والنساء وكبار السن.
تشاد تستقبل موجات الفرار
تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح 895 شخصا من قرى قور بورا وجكتورا وأم حراز بمحلية أمبرو يوم 24 أكتوبر الجاري، مع عبور غالبية الأسر إلى تشاد المجاورة.
وتؤكد المنظمة أن الأوضاع لا تزال متوترة ومتقلبة للغاية، في ظل تقارير عن نهب الماشية والأسواق وحرق المراكز الصحية وتخريب ممتلكات المدنيين.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة الحجم الكامل للنزوح، خصوصا مع انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى القرى المتضررة.
كما أن عبور الحدود لا يعني انتهاء المعاناة؛ فالنازحون يحتاجون إلى المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تواجه المجتمعات المستضيفة والمنظمات الإنسانية تحديات متزايدة في توفير الاحتياجات الأساسية.
ردود الفعل.. مطالب بحماية المدنيين
حذرت المقاومة الشعبية في دارفور من أن منع المواطنين من الوصول إلى مياه الشرب يمثل تهديدا مباشرا للحياة، وطالبت المنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل لتوفير المياه والمساعدات الضرورية، وضمان وصول السكان إلى الآبار دون عوائق.
كما دعت السكان إلى توخي الحذر، في ظل استمرار المعارك واحتمالات اتساع نطاق النزوح.
وفي المقابل، تتمسك قوات الدعم السريع في بياناتها بإعلان حماية المدنيين واستعادة الخدمات، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام ضرورة التحقق من الأوضاع على الأرض، وعدم الاكتفاء بالتصريحات الصادرة عن أطراف الصراع.
الخلاصة ما يحدث في أمبرو يمثل تطورا بالغ الخطورة في مسار الحرب السودانية؛ لأن السيطرة على مصادر المياه تنقل الصراع من التنافس على الأرض والنفوذ إلى التحكم في مقومات الحياة نفسها.
فالمدني الذي يفقد منزله يستطيع، نظريا، البحث عن مأوى آخر، لكن حرمانه من الماء والغذاء والدواء يحول النزوح إلى رحلة بقاء محفوفة بالموت.
والأخطر أن تدمير مصادر المياه أو منع الوصول إليها لا ينتهي أثره بانتهاء المعارك، بل يهدد بإفراغ القرى من سكانها، وتفكيك المجتمعات الرعوية، وترك مناطق واسعة عاجزة عن استعادة حياتها الطبيعية.
المطلوب تحرك إنساني عاجل لضمان حماية الآبار، وإرسال فرق مستقلة للتحقق من الانتهاكات، وتوفير مصادر مياه بديلة وصهاريج إغاثة، وفتح ممرات آمنة للمدنيين والمساعدات عبر الحدود.
كما ينبغي ألا تمر الاتهامات المتعلقة بحرمان السكان من المياه أو استهداف المنشآت المدنية دون تحقيق ومساءلة.
إن دارفور لا تواجه أزمة نزوح جديدة فحسب، بل تواجه تهديدا لمقومات البقاء. وعندما تصبح قطرة الماء سببا للفرار، فإن المأساة تكون قد تجاوزت حدود الحرب التقليدية إلى كارثة إنسانية تستوجب تدخلا دوليا عاجلا.


