بينما تشهد العاصمة البريطانية تقلبات طقسها البارد، انبعث “دفء الوطن” من مدرجات ملعب “ستامفورد بريدج” التاريخي التابع لنادي تشيلسي. لم تكن الهتافات هذه المرة لصالح “البلوز”، بل كانت لمبادرة إنسانية وروحانية جمعت آلاف العرب والمسلمين في مشهد استثنائي، أعاد للأذهان أجواء ليالي رمضان في القاهرة، الدار البيضاء، والرياض. وكل العواصم العربية والاسلامية.
يتجسد مفهوم “دفء الوطن” للعرب في بريطانيا من خلال مبادرات مجتمعية وثقافية عميقة تهدف إلى تخفيف وطأة الاغتراب، خاصة خلال فصول الشتاء القاسية والمناسبات الدينية .
المبادرات الرمضانية “دفء القلوب”
يأتي شهر رمضان ليكون الموسم الأبرز لتعزيز هذا الدفء عبر نشاطات تتجاوز الشعائر الدينية:
الإمام المغربي: صوت القارة في قلب “البريميرليج”
كان القارئ المغربي الشاب معاذ الدويك هو “بوصلة” هذا الدفء؛ حيث استطاع بتلاوته المغربية الأصيلة أن يحشد الآلاف من الجاليات العربية. وجود إمام عربي بهذا الثقل في نادٍ عالمي منح المغتربين شعوراً بالفخر والانتماء، وكأن صدى “مساجد الوطن” انتقل ليؤنس وحشة الاغتراب.
نجوم “البريميرليج”: حين يذوب الفارق بين المشجع واللاعب
لم يكن “دفء الوطن” شعاراً معنوياً فحسب، بل تجسد في جلوس نجوم الكرة العالمية أمثال نيكولاس جاكسون، ويسلي فوفانا، وغيرهم من النجوم المسلمين، جنباً إلى جنب مع شباب الجاليات العربية على مائدة إفطار واحدة. هذا التواضع والالتحام كسر الحواجز الطبقية والرياضية، وصنع حالة من الوحدة العربية والإسلامية التي يفتقدها المهاجر في حياته اليومية.
تجمع الجاليات والطلاب: تنظم اتحادات الطلاب والجمعيات العربية (مثل الجالية السورية أو المصرية) حفلات إفطار جماعية تهدف إلى تقريب الأهل واستشعار سكنى الوطن.
لجان النظام والعمل التطوعي: يعمل الشباب والفتيات من أبناء الجاليات في لجان تنظيمية كـ “خلية نحل” لإنجاح الفعاليات، مما يمنحهم شعوراً بالمسؤولية المشتركة والانتماء.
طقوس رمضان بالخارج: تحرص الجاليات على إحياء معاني الرحمة والتكافل، حيث تجدد هذه اللقاءات السنوية الروابط الإنسانية وتخفف من عناء الغربة في بيئة مختلفة.
التضامن الإنساني خلال الشتاء
في ظل الظروف المناخية الصعبة في بريطانيا، تبرز مبادرات دعم العائلات العربية المتعففة:
حملات التدفئة: تطلق جمعيات خيرية عربية ودولية (مثل هيومان أبيل أو عطايا الخيرية) حملات مثل “شتاء دافئ” أو “دفء وعطاء” لتقديم المعونات المالية وتأمين وقود التدفئة والبطانيات للأسر الأقل حظاً داخل بريطانيا وخارجها.
الدعم المالي المباشر: تساهم بعض الجمعيات في تقديم دفعات مالية طارئة للأسر العربية لمساعدتها في تغطية تكاليف الطاقة المرتفعة قبل الأعياد والمناسبات.
المساحات الحضرية والمطاعم “الوطن المصغر”
تعتبر بعض الأحياء والشوارع في لندن مراكز لـ “دفء الوطن” لما توفره من بيئة تحاكي الأجواء العربية التقليدية:
شارع إدجوير (Edgware Road): يصفه الكثير من العرب بأنه المكان الذي يشعرون فيه بدفء الوطن. يضم الشارع مطاعم ومقاهٍ تاريخية، مثل مطعم “سرجنار” الكردي العراقي، حيث يجتمع المهاجرون القدامى لشرب الشاي ومناقشة قضايا الوطن، مما يخلق حالة من الترابط الاجتماعي بعيداً عن صخب المدينة.
المطاعم كمنصات للهوية: تحولت المطاعم العربية (مثل المطاعم العراقية في هولندا أو لندن) من مجرد أماكن لتقديم الطعام إلى مساحات اجتماعية يعيد فيها أبناء الجالية بناء “قطعة من الوطن” عبر الأطباق التقليدية واللقاءات الأخوية.
الأدب والفن “الوطن المتخيل”
يبرز “دفء الوطن” أيضاً في الأدب العربي المكتوب في المهجر، حيث تجسد الروايات والقصص الصراع بين “صقيع الغربة” و”دفء الذكريات”. تعبر هذه الأعمال عن الحنين الدائم للوطن وتفاصيله، مثل سماع الأذان وذكريات الطفولة، كنوع من الدعم المعنوي للقراء المغتربين.
“دفء الوطن” في بريطانيا ليس مجرد شعار، بل هو شبكة أمان اجتماعية وروحية يبنيها العرب بأنفسهم من خلال اللقاءات في المقاهي، الموائد الرمضانية المشتركة، وحملات التكافل الشتوي، مما يجعل الغربة مكاناً أكثر حنواً وألفة.
أثبتت مبادرات “دفء الوطن” في بريطانيا أن الهوية العربية قادرة على فرض جماليتها وتأثيرها لمواجهة تحديات الغربة.