تحدثت سورة البروج عن «أصحاب الأخدود»، وما فعل بهم الظلمة المجرمون من تحريق وقتل للرجال والنساء والأطفال ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾.
فالظلمة المجرمون في كل زمان ومكان يكرهون هؤلاء الذين يقولون قال الله وقال الرسول، ملئت قلوبهم غيظا وكرها جعلهم مرة يحفرون لهم الأخدود ويوقدون عليهم فيه النار، ومرة يطلقون عليهم الدبابات والطائرات ويحرقون عليهم المساجد والخيام.
وبالرغم من قوة الظلمة وفجرهم إلا أن أهل الحق والإيمان واجهوهم بالثبات؛ حتى الغلام الرضيع قال يا أُمَّه، اصبِري؛ فإنَّكِ على الحَقِّ.
فكان ثباتهم هو النصر، والنموذج الذي جعله الله مثلا لأهل الإيمان عند مواجهة الظلمة الفجرة.
ثم يقول الله عز وجل في آخر السورة في آية فريدة في القرآن لم تأت إلا في هذا الموضع ﴿والله من ورائهم محيط﴾ فالظلمة المجرمون ﻏﺎﻓﻠﻮﻥ ﻋﻤﺎ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﻬﺮ اﻟﻠﻪ ﻭﻋﻠﻤﻪ. ﻓﻬﻢ ﺃﺿﻌﻒ ﻣﻦ اﻟﻔﻴﺮاﻥ اﻟﻤﺤﺼﻮﺭﺓ ﻓﻲ اﻟﻄﻮﻓﺎﻥ اﻟﻌﻤﻴﻢ!
﴿والله من ورائهم محيط﴾ فهل تظن أن يفلت الظلمة الفجرة منه، وهل تظن أن الله المحيط يترك قتلهم للركع السجود، وهل تظن أن الله المحيط نسي حبسهم للآمرين بالقسط والمطالبين بحرية أوطانهم ورفعته والتنكيل بهم.
كلا والله بل هو “المحيط” بأعداء عباده؛ فأين يذهبون من ملكه؟ وكيف يفرون من عزته، وقد أحاط بهم؟
فلا هروب منه، ولا وقاية لهم من أفعاله؛ فالمعركة إذًا محسومة لا محالة، فما لأحد من الناس بالله من قوة.
فأين يذهب عبده المؤمن؟ يذهب إلى النصر أو الشهادة.
وأين يذهب أعداء عباده؟ يذهبون إلى حيث ذهب فرعون؛ فتلك إحاطة الله بهم، بالأمس، واليوم، والغد.
ليست مجرد حادثة تاريخية
قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتاب “نظرات في القرآن” إن قصة أصحاب الأخدود ليست مجرد حادثة تاريخية انقضت، بل هي نموذج متكرر يتجدد كلما تمكن الباطل وبطش الطغاة.
فالطغاة في كل عصر يزعجهم أن تضيء قلوب الناس بنور الإيمان، وتثبت على كلمة الحق، فيلجأون إلى أساليب الإرهاب والقهر والإبادة، ظنّاً منهم أن النار أو الحديد سيطفئ جذوة العقيدة.
ولكن العاقبة المؤكدة التي يغفل عنها هؤلاء المغرورون هي أنهم مهما بلغوا من القوة، ومهما أمعنوا في التنكيل بالمستضعفين، فإنهم لا يخرجون عن سلطان الله ولا يفرون من قبضته؛
فجاء التعبير القرآني الحاسم: ﴿والله من ورائهم محيط﴾ ليُسقط في أيدي الطغاة، وليعلموا أنهم في قبضة القهار الذي لا يعجزه ظالم، وأن بطش الله واقع بهم لا محالة، عاجلاً أو آجلاً.


