ثالثاً: نقد واقع المسلمين وحثهم للنهوض به:
كما ركز الغزالي على قضية الإيمان بالله -عزوجل- وبيان فضل القرآن على العرب والإنسانية، اهتم أيضا، وبحرص بالغ، بواقع المسلمين اليوم وما يعانونه من تخلف وضياع وانهيار فكري واجتماعي واقتصادي وحضاري، وديني أيضا، بل إن كل أبحاث الغزالي وكل جهوده التي بذلها خلال حياته المديدة، كانت في الأساس موجهة لهذا الهدف الأسمى، السعي للنهوض بالمسلمين والعمل على انتشالهم مما هبطوا إليه من تضعضع وانهيار.
يؤكد الغزالي في تفسيره على دور الأمة الإسلامية، وما ينبغي عليها أن تقوم به باعتبارها أمة القيادة والشهادة، فالأمم بحاجة إلى أن تقوم هذه الأمة بهذا الدور، وفي ذلك يقول: العالم اليوم محتاج إلى أمة تضرب المثل من نفسها في عبادة الله، والحديث عن أمجاده ووصاياه، وتلك هي الأمة الإسلامية.
على أن هذه الأمة المسبحة بحمد الله يجب أن تكون مالكة لزمام الأرض، سيدة على مرافق الحياة المختلفة.
وينتقد الغزالي على المسلمين؛ اشتغال عامتهم بالشؤون الكبرى للأمة التي هي من اختصاص قادتها وعلمائها، وتركهم لوظائفهم الأساسية: من المآسي أن تشتغل الدهماء بشؤون الدولة الكبرى، وأن تبدي رأيها فيما لا تعرف له رأسا من ذنب.
وقد رأيت من يتحدث في الفقه ولا فقه له، ومن يفتي في قضايا الحرب والسلام ولا رأي له، ومن يريد إصلاح العالم وهو عاجز عن إصلاح بيته، لماذا لا نترك الأمور لأربابها؟ ولماذا تبعثر الشؤون الحربية والمالية في كل مكان؟ ان الله يأبى ان يُسأل عنه من يجهله: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) {الفرقان: 59} ومن الخير أن نحترم الأخصائيين، وأن نقف عند حدود علمنا.
كما ينتقد عليهم تخلفهم وهوانهم، رغم ما حبا الله به أرضهم من بركات وخيرات، فهم -لعجزهم- لا يستطيعون استثمار هذه الخيرات والبركات، فيقول في ذلك: لعل من أغرب مآسي الحياة الدنيا في هذا العصر، أن المسلمين الذين يتلون القرآن الكريم، هم أبين الناس فاقه على ظهر الأرض، وأقلهم جهدا، وأضألهم إنتاجا.
كان جبل “المكبر” في أيدي الأردنيين أجرد المناكب، مقفر الارجاء، فلما استولى عليه اليهود لم تمض أيام حتى شجروه!
وكانت بحيرة “الحولة” على حدود سوريا مجموعة من المستنقعات العفنة لا نفع منها، فإذا اليهود يجففونها ويحرثون أرضها للزراعة..
ومررت بأرض “رفح” وهي قاع أملس لا حياة فيه، فلما وصل إليها اليهود إبان العدوان الثلاثي لم تمض شهور قلائل حتى مدوا مواسير المياه إليها وشرعوا في تمهيدها للحبوب والفاكهة.
يا غوثاه، هذه أرضنا فكيف نحيا فوقها هملا؟ وكيف نتحول عنها ليجيء من يقدرها ويجعلها مزدهرة بالحرث والنسل؟
لمن يقول الله عز وجل: (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ) {النحل: 65، 66}.
هذا الخطاب للناس جميعا دوننا.
إنني أضحك دهشا إذ أرى البقر الهولندي، بل الدجاج الإنجليزي، أفضل من مثيله في بلادنا، وإذ أرى تلفظ مكنوناتها لأجناس الناس فيقتنون منه ويستغنون به، أما نحن فنفتقر إلى المعونات يمدنا بها هؤلاء وأولئك تارة اخرى.
ما هذا النكر؟ وما هذا العطل؟ بم اشتغلنا عن هذه الوظائف العمرانية الخطيرة؟! اشتغلنا بفنون من السخافات.
“إن غلبة الجهل واتباع الشهوات هما سر ذلك البلاء الحائق”.
وينتقد على المسلمين فرقتهم واشتغالهم بكل ما من شأنه أن يهدم كيانهم ويشتت صفوفهم: وأنا أستشعر الأسى عندما أرى أخلاقنا أضعف من عدونا، ومسالكنا أردأ فأنى ننتصر؟
ثم تجيء وحدة الكلمة والابتعاد عن أسباب النزاع!!
والمسلمون اليوم في العالم، وأرضهم مستنقع لجراثيم الفرقة كلها، فهم سبعون حزبا بأسهم بينهم شديد، على حين ترى اليهود – وهم عشر معشارهم – قد وحدوا صفهم وقاتلونا جبهة متساندة متعاضدة فنالوا منا وما نلنا منهم شيئا.
وحاصروا المسجد الاقصى ونحن مشغولون بأنفسنا وقضايانا، فذهبت ريحنا وفلً حدنا!
فالمسلون اليوم يقدمون صورة سيئة عن الإسلام ويصدون بأخلاقهم وسلوكاتهم عنه: ولا تزال جماهير في أوربا وأمريكا تبحث عن الحق، وترتاب فيما ورثت وما يصدها عن الدخول في الإسلام إلا الحال الزَريَة التي عليها المسلمون. فالمسلمون بلا شك صورة سيئة منفرة عن دينهم.
ويؤكد الغزالي أن ذهاب ريح العرب وانكسار شوكتهم أمام أعدائهم، إنما كان لتركهم دينهم وصدهم عن تعاليمه: وقد قامت اليوم دولة لليهود على حساب العرب، والسبب واضح، أن اليهود قاتلوا شراً منهم!
قاتلوا العرب والعرب معطلون لحدود الله، مستبيحون لحرماته، تاركون للواء محمد لا يمشي تحته أحد، وسائرون تحت ألوية الغدر والعصيان..
فلا عجب أن ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم مصداق قوله بعد ذلك في اليهود وكل مارق: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) {الاعراف: 179}.
وفي تعليق على قصة ذي القرنين انتقد الغزالي بشدة وضع التخلف الحضاري الذي يعاني منه المسلمون فهم أعجز من أن يقدموا لأنفسهم خيرا في هذا المجال بل هم دائما في وضع المستجدي الأحمق الذي يطلب من عدوه أن يمده بسلاحه.
إنني عندما اقرأ خبر هذا الرجل -أي ذو القرنين- أشعر بالحزن لأن الخبرة الفنية التي أبداها لا تُعرف اليوم بين المسلمين، لقد انفرد الأجانب بها وأمسوا الخبراء المتخصصين فيها.
إن المهارة في شئون الحياة صارت لديهم ملكة راسخة.
والغريب أننا بدل أن نتعلم الأبداع في شئون الدنيا تعلمنا الابتداع في شئون الدين، فأتينا بأمور ما أنزل الله بها من سلطان.
وكان من وراء ذلك فوضى عقلية وخلقية، أخرتنا في معاشنا ومعادنا.
كما يستنكر الغزالي من المسلمين مباهاتهم لغيرهم بدينهم في حين لا يعلمون به ولا يلتزمون بتعاليمه: والمباهاة بالدين لا تجدي أصحابها فتيلا المهم هو العمل الصادق والسلوك الراشد.
وفي عصرنا هذا كما يقول محمد عبده: يوجد من يتحدث عن الإسلام فيثني عليه أعظم الثناء، يقول أي دين أصلح إصلاحه؟ أي دين أرشد إرشاده؟ أي شرع كشرعه في اكتماله؟
فإذا سئل الواحد منهم ماذا فعل للإسلام؟ وبماذا يمتاز على غيره من أتباع الأديان الأخرى لا يحير جوابا..
وردعا لقائلين غير فاعلين يقول الله تعالى: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ۗ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) {النساء: 123}
ومن الفتن المزعجة في هذه الأيام العجاف أن نرى اليهود متشبثين بشرائعهم الدينية يلبس أحدهم قلنسوة الصلاة ويمرون بها في أكثر الميادين زحاما ليؤدي شعيرته.
أما المسلمون فأغلب ساستهم لا يحرص على أوقات الصلاة إلا من عصم الله.
ويؤكد الغزالي أن خروج المسلمين مما هم عليه من هوان، أمر سائغ وميسور، ولكنه يحتاج إلى البذل والتضحية وحالة المسلمين في هذا العصر رديئة والهزائم المادية والمعنوية تحيط بهم ولكن الله فتح أمامهم أبواب الآمال عندما قال لهم هنا : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) {النور: 55}.
على أن هذا التمكين يحتاج إلى مقدمات طويلة، وجهود موصولة، فإن للقيادة والسيادة مؤهلات لابد من تحصيلها، ويستحيل أن يتحقق لعاطل أمل.
ولننظر ما فعل الرسول وصحبه عندما أرادوا إقامة دولة الإيمان لقد مكثوا قرابة ربع قرن يصارعون الوثنية العربية حتى هزموها ثم جمعوا بالتوحيد فلول العرب ومالوا على الرومان والفرس ميلة واحدة فما هي إلا جولات يسيرة حتى أصبح المسلمون الدولة الأولى في العالم!!
فالحل إنما يكمن في العودة إلى منهج الله -عز وجل- هذا المنهج الذي يقوم على المزاوجة بين التصديق القلبي بوجود الله -عز وجل- وقيوميته على الخلق، والعمل بمقتضى هذا الإيمان في واقع الحياة إذ لا تعود للمسلمين حضارتهم الأولى إلا بالإيمان والعمل معاً..
إلا أن قال: وأمتنا لابد أن تجمع بين إيمان واضح وعمل صالح، حتى يمكَن لها، وتستعد لآخرتها”
كما أن انتصار المسلمين على أعدائهم ممكن أيضا ولكن بشرط توفير العدة اللازمة:
على أن انتصار المسلمين يحتاج إلى أمرين: صدق النية وحسن الأداء، ولا يغني أحد الأمرين عن الآخر.
والمسلمون فقراء إلى معرفة الأمر الثاني وتوكيده فإن بعضهم يتخيل أن الصلاح وحده يحقق النتيجة المرجوة كأن الملائكة ستنزل لجبر القصور في إعداد المؤمنين للمعركة أو سوء خوضهم لها وهذا بعيد.
أبذل ما لديك كله إيمانا وعملا وإخلاصا ومهارة ثم ارتقب الخير ولو كانت قواك أقل فقد بذلت ما تملك ولن يخذلك الله بعدئذ.
ويؤكد للمسلمين أن انتمائهم المجرد إلى الدين لن يغني عنهم فتيلا: إن المسلمين لا يشرفهم إلا الإخلاص لله والتفاني في طاعته والشجاعة في نصرته والجراءة على عدوه.
والانتماء المجرد لمحمد عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق يقينا لا يغني عن العاطلين شيئا.


