المعارك الكبرى لا تبدأ دائمًا بدويّ المدافع، بل بهدوء المصطلحات.. تبدأ حين يُعاد تعريف الكلمات، وتُبدَّل المفاهيم، وتُقدَّم الثوابت في صورة اجتهادات قابلة للأخذ والرد.
اليوم يُروَّج لخطاب يزعم أن من لم يؤمن بالنبي ﷺ داخلٌ في أمته، بل مستحقٌّ للنجاة.
وهنا لا نتحدث عن اختلاف فقهي، ولا عن مساحة اجتهاد، بل عن مسألة عقدية حُسمت بنصوص قطعية.
النصوص واضحة في اشتراط الإيمان برسالة النبي الخاتم لمن بلغته الدعوة، والتفريق بين “أمة الدعوة” و“أمة الإجابة” تفريق علمي معروف، لا يحتمل الخلط المتعمد أو التسطيح الإعلامي.
ليست المشكلة في الدعوة للتعايش، ولا في احترام أتباع الديانات الأخرى، ولا في البحث عن المشترك الإنساني.
الإسلام أقرّ التعايش قبل أن تُولد ما يسمى بمواثيق حقوق الإنسان الحديثة، لكن التعايش شيء، وإعادة تعريف العقيدة شيء آخر.
حين يتحول الخطاب إلى منحٍ للنجاة خارج إطار النص،
فهذا ليس تسامحًا، بل مصادرة للنص نفسه، ويك أن الدين بات مادة للتشكيل وفق ضغوط سياسية أو نزعات فكرية عابرة أو أبواق تروج لأجندات فكرية لم تعد خفية ولم تعد تنطلي على المدركين بأحوال المد والجزر الفكري لمن ينتسبون لها.
إن أخطر أشكال التطرف ليس دائمًا الغلوّ الصاخب،
بل التمييع الهادئ الذي يُفرغ المفاهيم من مضمونها،
حتى يصبح الإيمان مجرد عنوان ثقافي بلا مضمون عقدي.
القضية ليست من يدخل الجنة ومن لا يدخلها -فالحكم لله وحده- لكن القضية تكمن في طرح هذا السؤال وبهذه الصيغة: هل نملك حق تغيير شروط الإيمان كما وردت في الوحي؟
الإيمان في الإسلام ليس قائمة اختيارات ننتقي منها ما يروق لنا، بل بناء متكامل:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ…﴾
إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، بلا انتقائية ولا مساومة.
في زمن تتعدد فيه المنصات، تزداد الحاجة إلى وضوح المفهوم، لا إلى ذوبانه أو ميوعته، وإلى بيان الفارق بين الرحمة في التعامل، والثبات في الاعتقاد.
الثبات ليس تشددًا، والوضوح ليس عداءً، والالتزام بالنص ليس انغلاقًا، بل هو احترام للعقيدة كما هي، لا كما نريد لها أن تكون، ولسنا في سوقٍ للأفكار ننتقي منه ما يروق لنا ونترك ما لا ينسجم مع المزاج العام.
وليس الدين مشروعًا ثقافيًا قابلًا لإعادة الصياغة كلما تبدّلت الضغوط أو تغيّرت التحالفات.
العقائد لا تُعدَّل تحت لافتة “التجديد”، ولا تُفرَّغ من مضمونها باسم “التسامح”، ولا تُختزل في شعارات عاطفية تُرضي الجميع وتُبقي النص بلا حدود.
إن أخطر ما يهدد الأمم ليس صخب الخصوم، بل ارتباك البوصلة من الداخل، حين يصبح الواضح مُلتبسًا، والقطعي قابلًا للتفاوض، والثابت موضوعًا لإعادة التعريف.
لسنا أوصياء على رحمة الله، لكننا أيضًا لسنا مخوّلين بتبديل معايير الإيمان التي قررها الوحي، فالفرق كبير بين الدعوة بالحكمة، وبين إذابة الفوارق العقدية حتى تفقد معناها.
يا من تثيرون بين الحين والآخر معارك تمس الهوية، ألا فلتعلموا: إن حفظ الهوية ليس صدامًا مع أحد، بل صيانة للمعنى، والأمة التي تفقد وضوحها العقدي، تفقد قدرتها على التمييز بين الثابت والعابر، وبين الأصل والطارئ.
وفي زمن تختلط فيه الأصوات، تبقى المسؤولية أن نعلنها صراحة وبكل وضوح ومن غير مواربة:
كما أن التعايش قيمة، والرحمة خلق، أيضا الإيمان تعريفه ليس محل تصويت، ولا مادة لإعادة الصياغة وصناعة التريندات.
فإن كانت الشياطين تُصفَّد في موسم الطاعة، فإن أخطر الفتن تلك التي تأتي من أبالسة يرتدون ثوب الخطاب الناعم، ويطلبون منك فقط.. أن تعيد تعريف المعنى.


