هل أخطأت أبو ظبي قراءة اللعبة؟
ماذا لو صحت الأنباء المتداولة عن توبيخ صيني مباشر للإمارات؟
وماذا لو تأكد أن بكين قالتها بوضوح: “نحن من نحدد حلفاءنا، وليس أنتم”؟
الأمر حينها لن يكون مجرد توتر دبلوماسي، بل لحظة كاشفة لحدود الدور، وحجم الفجوة بين الطموح والواقع.
وفقًا لما يتم تداوله، لم تقف الرسائل الصينية عند حدود المجاملة الدبلوماسية، بل تجاوزتها إلى مواقف أكثر صلابة:
حديث عن استخدام الصين لحق النقض (الفيتو) ضد مقترح بحريني يتعلق بمضيق هرمز داخل مجلس الأمن، تلاه -بحسب الروايات- توبيخ مباشر لولي عهد أبو ظبي بعد طلب إماراتي بفك الارتباط بين بكين وطهران.
بل وتذهب بعض التسريبات إلى أن اللهجة الصينية كانت قاسية بشكل غير معتاد، ما يعكس حجم الانزعاج الإماراتي من طريقة إدارة اللقاء.
لكن بعيدًا عن حرارة الرواية، هناك ما هو أهم: لماذا يصعب أصلًا على الصين أن تستجيب لمثل هذا الطلب؟
أولًا: إيران في العقل الاستراتيجي الصيني
العلاقة بين بكين وطهران ليست علاقة عابرة أو قابلة للمساومة بسهولة:
إيران تمثل ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني.
موقعها الجغرافي يجعلها حلقة محورية في مشروع “الحزام والطريق”.
كما أنها شريك مهم في مواجهة النفوذ الأمريكي، وهو ما يتسق مع رؤية الصين لنظام دولي متعدد الأقطاب.
بمعنى أوضح: الصين لا “تجامل” إيران، بل تعتمد عليها في معادلات أكبر بكثير من الإقليم.
ثانيًا: أين تقف الإمارات في هذه المعادلة؟
رغم قوة العلاقة الاقتصادية بين بكين وأبو ظبي، فإن طبيعتها مختلفة:
الإمارات مركز تجاري ومالي مهم للصين.
بوابة لوجستية للاستثمارات والتجارة.
شريك مستقر وجذاب اقتصاديًا.
لكنها -وهنا بيت القصيد- ليست شريكًا استراتيجيًا بالمعنى الجيوسياسي الذي يجعل بكين تعيد ترتيب تحالفاتها الكبرى من أجله.
ببساطة: الصين ترى في الإمارات فرصة، لكنها ترى في إيران ضرورة.
ثالثًا: لحظة ارتباك أم نتيجة تراكمات؟
إذا صحت هذه التطورات، فهي لا تعكس حادثة معزولة، بل نتيجة مسار كامل:
توترات مع إيران لم تُحسم.
اعتماد أمني على الولايات المتحدة لم يعد بنفس الصلابة.
انفتاح على إسرائيل لم يترجم إلى مكاسب استراتيجية حاسمة بل خسارة ما بناه مؤسس الدولة.
ومحاولة للعب دور يتجاوز أحيانًا حدود القدرة الفعلية.
النتيجة؟ شبكة علاقات واسعة، لكن عند الاختبار، لكل علاقة سقفها الصلب.
رابعًا: هل أخطأت أبو ظبي التقدير؟
المشكلة ليست في تنويع التحالفات، بل في افتراض إمكانية التأثير في أولويات قوى كبرى.
القوى الكبرى لا تُدار بالاستثمارات وحدها، ولا تُغيّر تحالفاتها تحت الضغط الدبلوماسي.
هي تستمع، لكنها في النهاية تتحرك وفق مصالحها فقط.
خامسًا: الدرس الذي لا يُقال بصوت عالٍ
إذا كان هناك “توبيخ” فعلًا، فالدلالة الأهم ليست في نبرته، بل في مضمونه:
النفوذ الاقتصادي لا يعني نفوذًا سياسيًا مكافئًا.
العلاقات المتشعبة لا تعني القدرة على توجيهها.
والرهان على الخارج له دائمًا سقف غير مرئي، حتى يصطدم به.
ببساطة:
قد لا تكون كل التفاصيل المتداولة دقيقة بنسبة مئة بالمئة، لكن الاتجاه العام يكشف حقيقة يصعب تجاهلها:
العالم لا يُدار بالرغبات، بل بتوازنات قاسية لا تعترف إلا بالمصالح.
والسؤال الذي يبقى معلقًا:
هل تعيد الإمارات ضبط بوصلتها على أساس هذه الحقيقة؟
أم تستمر في الرهان على شبكة علاقات قد تبدو قوية، لكنها ليست مصممة لخوض معاركها بالنيابة عنها؟ لأن ببساطة شديدة:
في السياسة، ليس أخطر من الخطأ إلا الإصرار عليه.


