حين تعجز الحجة، وتتهاوى أركان الباطل أمام سطوع الحقيقة، يرتد المفلسون إلى سلاحهم الوحيد والمبتذل: الطعن في النوايا، والتشكيك في الذمم، والتنمر اللفظي الرخيص. لقد طالعتني مؤخراً همسات وتساؤلات مسمومة يطلقها بعض من أوجعتهم مقالاتنا التحليلية التي عرت عوار الجمعية العمومية لكمبوند “زهرة العبور”، يسألون في جهل مطبق وتبجح وقح: “من أذن لك أن تكتب عن أحوالنا؟.. ومَن الذي يقبضك ويدفع لك لتكتب؟!”.
يا له من سؤال يجمع بين بلادة الذهن وانحطاط التفكير! يبدأ سؤاله بعنجهية الوصاية كأنه يملك الهواء وقنوات التعبير، ويُثنّي باتهام رخيص ينم عن بيئة لا تفهم العمل العام إلا بمنطق “المستأجرين بالأجر”، متناسين أن اللص لا يرى في الناس إلا لصوصاً، والتابع لا يظن بالآخرين إلا التبعية والارتزاق.
لمن يسأل بجهله:
من أنت لتمنح الإذن أو تحجبه؟ إن كاتب هذه السطور لم يدخل محراب الكلمة متسللاً، بل قضى ما يقرب من أربعة عقود كاتبًا وصحفياً في أرقى وأعرق المؤسسات الصحفية القومية المصرية، وأستاذاً جامعياً متخصصاً في الإعلام والإدارة، وعضواً مقيداً بنقابة الصحفيين المصرية. الصحفي لا يستأذن أحداً ليمارس دوره التنويري، وقاعدتنا الراسخة التي تحكم ضميرنا المهني هي: “همك على قدر ما أهمك”. وحين أرى كمبوند “زهرة العبور” الذي ولجته منذ عام يغرق في أزمات واحتقانات متتالية وإرث من الفوضى يمس مصالح نحو عشرة آلاف نسمة يعيشون بيننا، فإن هذا وحده لا يستوجب مقالات عابرة بل يقتضي تأليف كتب ومجلدات تميط الأذى عن طريق هذا المجتمع الصغير وتزيل غشاوات التضليل عن أعين ساكنيه.
ولكي يتعلم هؤلاء حدودهم وأدب الخطاب، نذكرهم بما كفله الدستور المصري ونظمه القانون:
حماية الدستور وقانون الصحافة:
المادة (71) من الدستور المصري الصادر عام 2014 وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 كفلا للصحفي حرية إبداء الرأي، ونشر الحقائق، والرقابة المجتمعية. الصحفي يكتب في أي وسيلة من وسائل النشر المتاحة، سواء كانت صحيفة ورقية تقليدية، أو موقعاً إخبارياً، أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي الإلكترونية؛ فالمقال هو أحد فنون الرأي الصحفي الأصيلة، والمنصة الإلكترونية هي وسيلة نشر معترف بها ومحمية بقوة القانون.
الحصانة والمسؤولية:
نصت المادة (8) من قانون تنظيم الصحافة على أنه “لا يجوز مصادرة الصحف أو منعها، وللصحفي الحق في نشر وتداول المعلومات التي تخدم الشأن العام دون وصاية أو رقابة مسبقة”. ولا يحق لأي عابث أن يفرض ولايته على فكر أو قلم صحفي مخضرم يعيش تفاصيل الأزمة ليل نهار بين جيرانه وأهله.
مغبة الطعن والسب والقذف:
من يظن أن مواقع التواصل الاجتماعي فضاء مستباح لتوزيع الاتهامات بالرشوة والارتزاق فليراجع نفسه؛ فنصوص قانون العقوبات (المواد 302 و303 و306) وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تضع اتهامات الذمة المالية والسب الإلكتروني تحت طائلة المساءلة الجنائية الصارمة والحبس والغرامة.
إن كان صاحب هذا القلم حليماً، متسع الصدر للنقد والاختلاف الموضوعي، فهذا ترفع الكبار وتربية الفرسان الذين يفرقون بين الحوار وبين الإسفاف. لكن الحلم والترفع ليس ضعفاً ولا عجزاً عن اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة ومقاضاة كل من تجرأ بالطعن المباشر أو الملتوي؛ فالقلم الجريء حين يقرر الذود عن شرفه المهني لا يتراجع خطوة واحدة.
بدلاً من التهكم الصبياني والولوغ في أعراض النوايا، كان الأجدر بكم أن تتعلموا وتستفيدوا وتصححوا مساركم العرجاء من تحليلات كشفت مسبقاً عوار جمعيتكم وتنبأت ببطلانها وسقوطها الحتمي. فالأقلام الحرة لا تُشترى، والضمائر اليقظة لا تقبض ثمن الحقيقة، وقطار التنوير وكشف الخلل لن توقفه صرخات المفلسين ولا أكاذيب من اعتادوا شراء الذمم والعيش في وحل التبعية.







