استوقفتني كثيراً التصريحات الأخيرة للكاتب الصحفي المصري عبد اللطيف المناوي، والتي دعا فيها بوضوح إلى نقل دور الدولة في الصحافة القومية من «تمويل الخسائر المتكررة» إلى «تمويل التحول الرقمي»، مستعرضاً آليات تبدأ من رقمنة الأرشيف وتحديث غرف الأخبار، وتصل إلى بناء نظم الاشتراكات والبيانات، وقواعد الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي.
هذا الطرح، رغم وجاهته وضرورته الحتمية اليوم، لم يكن مفاجئاً لي؛ بل إنه حرّك في نفسي شجناً مهنياً يعود بي إلى نحو اثنين وعشرين عاماً مضت.
وتحديداً في عام 2004، عندما كنت أتشرف بإدارة مكتب صحيفتنا العريقة «الجمهورية» في دولة الإمارات العربية المتحدة من دبي، وبالتوازي مع قيادتي لشركة إعلامية متخصصة في مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر.
في ذلك الوقت، التقت رؤيتي كاستشاري مع شغفي كصحفي ينتسب إلى بلاط “صاحبة الجلالة”، فالتقطت عيني كنزاً ثميناً مهملًا في أدراج «وكالة أنباء الشرق الأوسط» (أشا).
كنز قُدّر بحوالي 8 ملايين صورة فوتوغرافية تاريخية، تمثل «ذاكرة مصر» الحية؛ فكل لقطة خلفها قصة سطرها صحفي غيور، وكواليس وثقها مصور مبدع عاصر الأحداث الكبرى.
حملتُ فكرتي الاستثمارية المتمثلة في «تسويق ذاكرة مصر الفوتوغرافية رقمياً وتجارياً»، وعرضتها على الزميلة الصحفية هالة عنار بمجلة أكتوبر والوكالة، والتي سارعت من فرط إعجابها بالفكرة إلى نصيحتي بلقاء القامة الصحفية والإدارية الكبيرة الأستاذ محفوظ الأنصاري، رئيس مجلس إدارة الوكالة آنذاك.
ولأن الأفكار الكبيرة تجد دائماً من يثمنها من كبار رجال الدولة المستشرفين للمستقبل، فقد جمعتني الصدفة المهنية بالدكتور أسامة الباز، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، في بهو فندق «إنتركونتيننتال أبوظبي» على هامش زيارة رئاسية لدولة الإمارات رتبتُ لها للتغطية الصحفية مع رموز السياسة المصرية حينها (صفوت الشريف، وسمير رجب، ومحفوظ الأنصاري، ومكرم محمد أحمد، واللواء عمر سليمان، وآخرين … ) باعتبارهم ضمن الفريق الإعلامي لرئاسة الجمهورية حينها.
تحمس الدكتور الباز بعقليته الاستراتيجية الفذة للفكرة فوراً، وهاتف الأستاذ الأنصاري في اللحظة ذاتها قائلاً: «معي صحفي لديه فكرة استثمارية رائعة أريدك أن تسمعها منه يمكن تعجبك وتتبناها».
وفي البهو الرئاسي، جلستُ مع محفوظ الأنصاري، وتناقشنا في آليات التنفيذ، حقوق الملكية الفكرية، والعوائد المالية الضخمة المتوقعة التي كانت كفيلة -لو نُفذت- بأن تجعل المؤسسات القومية كيانات عملاقة ذاتية التمويل، لا تعبأ بـ«الدعم المشروط» أو عبء ميزانيات الدولة.
بعدما نالت الدراسة إعجابه تَسلّم الأنصاري الملف كاملاً.. ولكن، وفي مشهد يلخص مأساة «البيروقراطية وعقم الإدارة المتوارث»، اختفى الملف في أدراج مغلقة، وغابت الاستجابة، لتكتفي الزميلة هالة عنار لاحقاً بهز رأسها صمتًا، في لغة جسد لخصت خيبة أمل جيل كامل عجز عن اختراق العقول التقليدية التي كانت تصر على إدارة المؤسسات الصحفية بمنطق «المنشورات السياسية» لا «الأصول الاستثمارية».
التشخيص الاستشاري:
هل نحن أمام إنقاذ أم عبء جديد؟
اليوم، وبعد أن جفت خزائن الدعم المفتوح، وتغيرت الأولويات الرسمية، يطالب الزملاء بما بح صوتنا به منذ أكثر من عقدين.
والسؤال الجوهري الذي أطرحه اليوم بصفتي استشارياً أمضى ما يقرب من أربعين عاماً في هذا الوسط: هل الدولة ومؤسساتها جاهزة اليوم لتحويل فكرة «الرقمنة» إلى واقع ينتشل الصحف القومية من رقدتها، أم ستتحول إلى عبء مالي جديد؟
إن «التحول الرقمي» ليس مجرد شراء أجهزة حديثة أو برمجيات معقدة، بل هو «ثورة في ثقافة الإدارة وفلسفة الاستثمار».
ولكي لا يتحول تصريح المناوي إلى مجرد مشروع إنفاق جديد بلا عائد، يجب أن نعترف بالتحديات التالية:
1- معضلة العقلية البيروقراطية:
إن رقمنة الأرشيف وبناء نظم الاشتراكات (Paywalls) لن تنجح إذا أُديرت بنفس الهياكل الإدارية المترهلة. التحول الرقمي يتطلب هياكل مرنة (Agile) وعقولاً تؤمن بـ “اقتصاد البيانات”، وهو ما يصطدم حالياً بمقاومة شديدة للحفاظ على المكتسبات الوظيفية التقليدية.
2- غياب الشراكات الذكية:
إذا انتظرنا أن تمول الدولة هذا التحول من موازنتها العامة، فلن نتحرك خطوة للأمام. الحل يكمن في معاملة هذا الأرشيف كـ«نفط جديد»؛ فالبيانات التاريخية والصور الموثقة هي الوقود الأساسي الذي تبحث عنه شركات التكنولوجيا العالمية وصناع الوثائقيات لتغذية خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
خارطة الطريق: من «الصحافة القومية» إلى «الشركة القومية للأصول الرقمية»”
إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب جراحة إدارية واستثمارية عاجلة، تتلخص في النقاط التالية:
أولاً: إنهاء جزر الانعزال التكنولوجي:
لا ينبغي لكل مؤسسة (الأهرام، الأخبار، الجمهورية، أشا) أن تبني نظامها الرقمي المستقل، فهذا هدر للمال. البديل هو تأسيس «الشركة المصرية لحفظ الأصول وتسويق المحتوى الرقمي»، كشركة مساهمة تملك فيها المؤسسات الحصص بأصولها التاريخية، ويديرها القطاع الخاص بعقلية تجارية بحتة لشراء ورقمنة وحماية وتطوير هذا الإرث وتصديره للعالم.
ثانياً: التحول نحو «العمق التحريري»:
لم تعد الصحف القومية قادرة على منافسة منصات التواصل الاجتماعي في سرعة الخبر. القيمة المضافة الحقيقية الآن هي «الصحافة الاستقصائية والتحليلية المدعومة بالبيانات والأرشيف»، وهو المحتوى الوحيد الذي سيقبل القارئ والباحث والمؤسسات الدولية الدفع مقابل الحصول عليه.
كلمة أخيرة
لقد سبقت فكرتُنا صيحاتِ الإنقاذ الحالية بـ 22 عاماً، وضاعت على الدولة المصرية مئات الملايين من العملة الصعبة بسبب «غياب الرؤية الاستثمارية» لدى قيادات تلك الحقبة.
واليوم، لم يعد التحول الرقمي خياراً أو رفاهية، بل هو «رصاصة الرحمة أو طوق النجاة الأخير».
إذا أردنا للصحافة القومية أن تحيا، فلنحيِ أولاً عقلية «البيزنس الحوكمي المستدام»، ولنتوقف عن معاملة مؤسساتنا العريقة كـ«عبء سياسي»، بل كـ«كنز قومي واقتصادي» ينتظر من يفك طلاسمه برؤية استثمارية شجاعة.


