في مكاتب الاستشارات الإنسانية، تمر علينا أحيانا حالات تتجاوز حدود الأزمات التقليدية لتصل إلى حد «التشوه القيمي».
مؤخراً زارني زوج يحمل في عينيه انكساراً وحيرة، يسألني والدمع حائر في عينيه: “هل أنا مصيب أم مخطئ؟ وهل طلاقي لزوجتي الآن يعد انتكاسة للعلاقة أم طوق نجاة؟ وهل آثم لو أنهيت هذا الزواج؟”.
وعندما غصنا في التفاصيل الدقيقة لحكايته، تكشفت مأساة حقيقية؛ الزوج يدفع لزوجته “ثمناً نقداً” عقب كل علاقة حميمية تتم بينهما، بل إن الأمر تطور ليصبح شبيهاً بصفقات السوق الكبرى: “النصف مقدماً.. والباقي بعد الانتهاء مباشرة!”.
بدأت القصة تحت لافتة “التطوير والتمكين”؛ حيث واجه الزوج في بداية زواجه مشكلة في الأداء والخبرة، فما كان من الزوجة إلا أن قدمت له “عرضاً تجارياً”: سأقوم بتدريبك ورفع معدلات أدائك وتجويد علاقتك، بمقابل مادي!
وافق الزوج وقتها تحت وطأة الرغبة في إثبات الذات، لكنه اليوم يقف مستنزفاً ومبتزاً، يشعر بأنه يتعامل مع “آلة بيع ذاتية” تنطلق من المبدأ الشعبي الساخر في أوساط الاستهلاك: “ادفع ودوس” أو “الدفع قبل الرفع”.
أولا:- هل ما يفلعانه صواب؟ وأين السكينة والمودة؟ الجواب القاطع:
ما يحدث في هذا الفراش هو هدم كامل لجوهر الزواج.
لقد حدد القرآن الكريم غايات الزواج الكبرى في ثلاثة مرتكزات هي مثلث العلاقة الزوجية : (السكينة، المودة، والرحمة).
السكينة تعني الأمان، والمودة تعني الحب المتبادل بلا شروط، والرحمة تعني رعاية الضعف.
عندما تدخل “النقود” كشرط مباشر وجزائي لإتمام اللقاء الإنساني الأعمق بين الزوجين، تتحول العلاقة من “شراكة روحية وجسدية” إلى “عقد معاوضة تجاري”. تختفي السكينة ليحل محلها القلق المالي، وتتبخر المودة لتصبح علاقة نفعية بحتة. هذا السلوك لا يمت للزواج بصلة، بل هو ممارسة تجارية مغلفة بعقد زواج.
ثانيا:- دائرة الحلال والحرام: هل يشرعن “الاتفاق” هذا العبث؟
يروج البعض لفكرة واهية مفادها أن “المؤمنون عند شروطهم”، وأن الاتفاق والتراضي يخرج الأمر من دائرة الحرام .. وهذا جهل فاضح بمقاصد الشريعة.
♦ حق الزوجية المتبادل: اللقاء الحميم هو حق مشروع ومشترك لكل من الزوجين بموجب عقد الزواج الذي أخذ الله به عليهما “ميثاقاً غليظاً”.
المهر مؤدى، والنفقة واجبة، أما اشتراط مقابل مالي منفصل لكل ممارسة فهو تشبه واضح بعقود البغاء والمُتعة (التي تقوم على الأجر مقابل المتعة المؤقتة).
♦ سلاح الامتناع والمعصية: إذا رفض الزوج الدفع، فهل يحق للزوجة الامتناع؟ شرعاً، امتناع الزوجة عن زوجها بلا عذر شرعي (كالمرض أو الحيض) يضعها في دائرة المعصية واللعنة المذكورة في الأحاديث الشريفة.
أما جعل “عدم الدفع” عذراً للامتناع فهو ابتكار تشريعي مشوه؛ لأنها بذلك تحول جسدها إلى سلعة تمنعها وتحجبها بناءً على حركة الرصيد المالي.
ثالثا:- خطورة هذا السلوك على مستقبل العلاقة
إن استمرار هذا النموذج يحمل مخاطر كارثية على البناء النفسي للأسرة:
♦ انفجار المنظومة عند الأزمات: ماذا لو مر الزوج بضائقة مالية؟ (وهو سؤال طرحناه في ثنايا الحالة)، الإجابة الحتمية هي الجفاف التام؛ فلن يقوم بما أحله الله له لأنه لا يملك الثمن، وستمتنع هي لأنها لا تعمل بلا أجر.
هنا يتحول الحلال إلى مستحيل، وتُفتح أبواب الفتن والانحراف.
♦ سقوط الاحترام المتبادل: الزوج يشعر بالابتزاز والامتهان لرجولته وإنسانيته، والزوجة تسقط من عين زوجها كشريكة حياة وتتحول في ذهنه إلى مقدمة خدمة مأجورة. عندما يسقط الاحترام، يموت الزوج سريرياً ونفسياً.
♦ تسميم عقل الأبناء: هذه الثقافة النفعية لا تلبث أن تتسرب إلى الأبناء، فينشأ جيل يرى كل شيء في الحياة قابل للبيع والشراء، حتى المشاعر، والكرامة، والواجبات الأسرية.
رابعا:- هل طلب الطلاق الآن “انتكاسة” أم “إصلاح وعلاج”؟
عندما يسألني الزوج: “هل نيتي للطلاق انتكاسة أم إثم؟” أقول له:
إن رغبتك في الطلاق الآن ليست انتكاسة، بل هي صدمة إفاقة لكرامتك الإنسانية التي أُهدرت على مدار سنوات.
أنت لم تعد تحتمل العيش كـ “زبون” في بيتك.الطلاق في هذه الحالة ليس إثماً إذا كان الهدف منه التخلص من بيئة مشوهة تفرض معصية مقنعة وتبتز المشاعر والغرائز.
ومع ذلك، فإن خطوة الطلاق الفوري قد تحتاج إلى مرحلة استباقية واحدة:
مواجهة الحقيقة.
وصفتي للعلاج هي:
♦ هدم الاتفاق القديم فوراً: يجب على الزوج أن يعلن لزوجته بلهجة حاسمة ومستشارية واضحة: “هذا الاتفاق باطل ومحرم، وانتهى تماماً من هذه اللحظة”.
♦ اختبار النوايا: وضع الزوجة أمام حقيقتها؛ العلاقة القادمة ستكون قائمة على المودة والرحمة والحق الشرعي المتبادل بلا مقابل مالي نهائياً.
♦ قرار الفراق: إذا وافقت الزوجة وتطهرت من هذا السلوك، تم إنقاذ البيت.
أما إذا تمسكت بثقافة “ادفع ودوس”، واعتبرت الفراش متجراً، فإن الطلاق هنا يصبح واجباً لحفظ الدين والكرامة والنسل، ولا إثم على الزوج بحسب فهمي لأمور ديني، بل هو مأجور على صون رجولته وفطرته السوية.
يا أكارم يا كريمات :
إن بيوتنا لا تُبنى على لوائح البيع والشراء، والجسد الإنساني في ظلال الزواج هو أسمى من أن يُقاس بالدرهم والدينار.
ليتذكر كل زوجين أن “السكينة” لا تُباع في أسواق المقايضة، وأن من يبتز شريك حياته في لحظات الضعف والاحتياج، إنما يقيد بيده شهادة وفاة أقدس رباط عرفته البشرية.


