مع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو دول الخليج العربي أمام لحظة فارقة في تاريخها السياسي والاستراتيجي.
فهذه الدول، بحكم موقعها الجغرافي وارتباطاتها العسكرية والسياسية، تجد نفسها في دائرة الخطر المباشر، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها، أو عبر ارتدادات الصراع الإقليمي الذي قد يمتد إلى حدودها في أي لحظة.
هذه اللحظة الحرجة تفرض أسئلة كبرى تتجاوز الحسابات العسكرية الآنية، لتصل إلى جوهر السياسات الداخلية والخارجية التي اتُّبعت خلال العقود الماضية.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالجبهة الداخلية.
ففي أوقات الأزمات الكبرى، لا يوجد ما يحمي الدول أكثر من تماسكها المجتمعي، فلا يوجد خط دفاع أقوى من التماسك الداخلي والسلم المجتمعي.
ولذلك يبرز التساؤل:
أليس من الأولى لقادة دول الخليج أن يسعوا إلى تعزيز المصالحة مع شعوبهم، وترسيخ السلم المجتمعي باعتباره خط الدفاع الحقيقي ضد أي مشروع خارجي يسعى إلى الهيمنة على مقدرات المنطقة أو ابتزازها؟
أليس من الأجدر بقادة دول الخليج أن يعيدوا ترميم العلاقة مع شعوبهم أولا، قبل الانشغال بتحالفات خارجية قد لا تصمد أمام التحولات الكبرى؟
إن المجتمعات التي تشعر بالعدل والانتماء قادرة على حماية دولها أكثر من أي تحالف عسكري أو منظومة دفاعية.
أما حين تتسع الفجوة بين الدولة ومواطنيها، فإن أي أزمة إقليمية قد تتحول إلى مصدر قلق مضاعف.
إن الشعوب المتصالحة مع دولها تشكل حائط الصد الأول أمام أي مشروع خارجي يسعى للهيمنة أو الابتزاز.
أما المجتمعات التي تعاني من التوترات الداخلية أو الشعور بالتهميش والإقصاء، فإن قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الخارجية تصبح أضعف بكثير.
السؤال الثاني يتعلق بالسياسات الأمنية والتحالفات العسكرية.
فلسنوات طويلة بُرر وجود القواعد العسكرية الأجنبية في بعض دول الخليج باعتباره ضرورة لحمايتها من أي تهديد خارجي.
لكن التطورات الحالية تطرح تساؤلا معاكسا:
ماذا بعد أن أصبحت هذه القواعد أهدافا مباشرة في أي مواجهة إقليمية قادمة؟
وهل يمكن أن تتحول إلى سبب رئيسي في إدخال المنطقة في صراعات لم تكن ترغب فيها من الأساس بحسب ما أعلنه قادتها؟
إن مراجعة هذه الخيارات لا تعني الانعزال عن العالم، لكنها تعني إعادة التفكير في صيغة الأمن الإقليمي بما يقلل من احتمالات تحويل أراضي هذه الدول إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى.
أما السؤال الثالث فيرتبط بالسياسات الداخلية الاستثنائية.
فخلال السنوات الماضية شهدت بعض الدول الخليجية إجراءات مثل سحب الجنسيات، أو التضييق على بعض المعارضين، أو ملاحقة شخصيات سياسية وإعلامية بعد شيطنتها واتهامها بتهديد استقرار الأنظمة.
وفي ظل التحديات الحالية، قد يكون من الحكمة إعادة النظر في مثل هذه السياسات، لأن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار في أوقات الأزمات.
كما يطرح الواقع الإقليمي سؤالا حول المواقف السياسية من التحولات في الدول العربية.
ففي أكثر من تجربة خلال العقد الماضي، بدت بعض دول الخليج وكأنها تقف في مواجهة تجارب ديمقراطية ناشئة في دول عربية قريبة منها.
وقد فُسر ذلك أحيانا بالخوف من انتقال عدوى التغيير السياسي إلى الداخل الخليجي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو:
ألم يكن من الممكن التعامل مع هذه التحولات بروح أكثر انفتاحا، بدل العمل على إجهاضها أو محاصرتها؟
فالتغيير الذي شهدته بعض الدول العربية لم يكن يستهدف الأنظمة الخليجية بقدر ما كان محاولة من شعوب تلك الدول لإعادة بناء نظمها السياسية، واستجابة لمتطلبات الأجيال المعاصرة الملهمة بالتجارب الديمقراطية في الدول الغربية.
وربما كان من الممكن التعامل مع تلك اللحظة التاريخية باعتبارها فرصة لبناء علاقات جديدة قائمة على دعم الاستقرار والتنمية، لا على الخوف من انتقال التجارب.
ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: العدالة في التعامل مع المقيمين والجاليات.
فدول الخليج استقطبت عبر عقود ملايين العمال والمهنيين من مختلف الدول العربية والآسيوية والغربية، لكن هناك شعورا لدى بعض الجاليات العربية بأنها لم تعد تحظى بنفس الفرص أو التقدير مقارنة بغيرها.
وفي لحظات التوتر الإقليمي، يصبح من المهم تعزيز سياسات العدالة والتوازن في التعامل مع مختلف الفئات التي تعيش وتعمل داخل هذه المجتمعات.
وهناك أيضا سؤال يتعلق بالمشروع الثقافي والتعليمي.
فمع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة في الخليج، برزت نماذج تعليمية وثقافية متأثرة بشكل كبير بالغرب.
ورغم ما قدمته هذه النماذج من انفتاح معرفي، فإن بعض المراقبين يتساءلون:
هل نجحت هذه السياسات التعليمية في بناء إنسان خليجي قادر على قيادة مشروع حضاري مستقل؟
أم أنها خلقت أجيالا مرتبطة أكثر بالاستهلاك والوظائف الإدارية، وأقل ارتباطا بمشروعات البناء الحضاري الطويلة المدى؟
إن إعادة التفكير في التعليم وربطه بمشروع حضاري يعزز الهوية والثقة بالذات قد يكون خطوة ضرورية لبناء أجيال قادرة على تحمل مسؤولية المستقبل.
فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة اقتصادية، بل هي مهد الرسالات ومركز تاريخي للحضارة الإسلامية.
ويبقى سؤال العلاقات الإقليمية، وعلى رأسها العلاقة مع إيران.
فرغم الخلافات السياسية العميقة بين الجانبين، فإن إيران تبقى دولة جارة تشترك مع دول الخليج في الجغرافيا والتاريخ، فضلا عن الروابط الدينية والثقافية.
ولذلك يبرز التساؤل:
أليس من الأجدر السعي إلى إدارة الخلافات مع إيران عبر الحوار والاحتواء، بدلا من تحويلها إلى صراع دائم قد يفتح الباب لتدخلات خارجية تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي؟
فالتاريخ يثبت أن الصراعات بين الجيران في هذه المنطقة غالبا ما تتحول إلى فرص للقوى الكبرى لتعزيز نفوذها، بينما تتحمل شعوب المنطقة كلفة هذه الصراعات.
وفي السياق نفسه، يطرح مسار التطبيع المتعثر مع إسرائيل أسئلة جديدة وجدا خطيرة:
ففي السنوات الأخيرة اندفعت بعض الدول نحو مشاريع دمج إسرائيل في المنطقة، سواء عبر اتفاقيات التطبيع أو عبر الترويج لمشاريع سياسية وثقافية مثل ما يُعرف بـ«الاتفاقيات الإبراهيمية» قُدمت باعتبارها خطوة نحو الاستقرار والسلام.
لكن مع اشتعال الحروب في المنطقة وتصاعد التوترات، يعود السؤال مجددا: هل كان هذا المسار بالفعل خطوة نحو الاستقرار، أم أنه زاد من تعقيد المشهد الإقليمي؟
إن إعادة تقييم هذه السياسات قد تكون ضرورية في لحظة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، وتتصاعد فيها مشاعر الغضب الشعبي في العالمين العربي والإسلامي بسبب الصراعات المستمرة، لإعادة تقييم هذه المسارات ومعرفة ما إذا كانت قد حققت فعلا الأمن والاستقرار المنشودين.


