في 28 فبراير 2026، بدأت إسرائيل والولايات المتحدة هجمات جوية مشتركة على إيران، مُعلنتين بدء حرب تهدف إلى تدمير برنامج الصواريخ الإيراني وإحداث تغيير في النظام.
والمتابع لحروب منطقتنا منذ بداية الربع قرن الفائت يلحظ أنه في كل مرة تندلع فيها حرب كبرى، لا تنقسم الساحات العسكرية فقط، بل تنقسم معها العقول والقلوب أيضا.
والحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعادت إنتاج هذا الانقسام داخل العالم العربي والإسلامي بشكل حاد، حتى بدا وكأن المواقف لا تحتمل منطقة وسطى أو رؤية مركبة.
هناك من يرى في هذه الحرب فرصة للانتقام من إيران بسبب سياساتها في المنطقة خلال العقدين الماضيين، خصوصا في سوريا والعراق واليمن.
وفي المقابل، هناك من يتعامل مع المواجهة باعتبارها معركة مصيرية ضد المشروع الصهيوأمريكي في الشرق الأوسط، والذي يرى أن أي إضعاف لإيران يصب بالضرورة في مصلحة هذا المشروع.
وبين هذين الموقفين يقف تيار ثالث يحاول النظر إلى الصورة الأوسع، بعيدا عن ردود الفعل العاطفية أو الحسابات الضيقة.
هذا الموقف الثالث لا يبرئ إيران من أخطائها، ولا يتجاهل حجم المعاناة التي عاشتها شعوب عربية بسبب سياسات طهران أو أذرعها الإقليمية.
فمن الصعب إنكار أن تدخلات إيران في بعض الدول العربية تركت جروحا عميقة، وأسهمت في تعقيد أزمات سياسية وإنسانية ما زالت المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم.
لكن في الوقت نفسه، فإن رفض هذه السياسات لا يعني القبول بعدوان خارجي يستهدف دولة في المنطقة تحت ذرائع سياسية أو أمنية.
فالحروب التي تقودها القوى الكبرى في الشرق الأوسط نادرا ما تكون بدافع حماية الشعوب أو نشر الديمقراطية.
التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وغيرها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن التدخلات العسكرية الخارجية غالبا ما تعيد تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح القوى المتدخلة، وليس مصالح شعوبها.
ولذلك فإن النظر إلى الحرب الحالية يجب أن يتجاوز الحسابات الضيقة المرتبطة بالخلافات مع إيران، إلى فهم أوسع لطبيعة المشروع الاستراتيجي الذي يقف خلفها.
إن إسرائيل، بدعم أمريكي واضح، تسعى منذ سنوات إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بما يضمن تفوقها العسكري والسياسي المطلق.
ومن هذا المنظور، فإن إضعاف إيران أو تفكيكها يمثل هدفا استراتيجيا مهما في هذا المشروع، بغض النظر عن الموقف من النظام الإيراني نفسه.
ولذلك فإن النظرة الضيقة القائمة على اختزال الحرب في كونها مجرد صراع بين خصوم إقليميين يتجاهل أبعادها الأوسع وتأثيراتها المحتملة على مستقبل المنطقة.
لكن في المقابل، فإن رفض العدوان لا يعني تبني خطاب تبريري لسياسات إيران، ولا التغاضي عن أخطائها، فالمواقف المتوازنة تقتضي القدرة على الجمع بين موقفين في آن واحد:
رفض الحرب الخارجية لأنها تهدد استقرار المنطقة وتفتح الباب لمزيد من الفوضى، مع الاستمرار في نقد السياسات التي ساهمت في توسيع دائرة الصراعات داخلها.
المشكلة الأكبر التي تظهر في مثل هذه الأزمات ليست فقط في اختلاف المواقف، بل في الطريقة التي يتم بها التعبير عنها.
فبدلا من النقاش الهادئ، يتحول الخلاف بسرعة إلى تبادل للاتهامات:
هذا يتهم الآخر بالعمالة لإيران، وذاك يرد باتهام خصمه بالانحياز لإسرائيل أو الولايات المتحدة.
ومع الوقت تضيع الأسئلة الحقيقية وسط ضجيج التخوين والتكفير السياسي.
الحقيقة أن المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى قدر أكبر من الوعي السياسي والقدرة على قراءة الأحداث بعيون نقدية.
فالقضايا الكبرى لا يمكن اختزالها في ثنائية “مع” أو “ضد”، لأن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
في النهاية، قد يختلف الناس في تقييم إيران وسياساتها، وقد يختلفون أيضا في قراءة دوافع الحرب ونتائجها المتوقعة.
لكن ما ينبغي الاتفاق عليه هو أن مستقبل المنطقة يجب أن يقرره أبناؤها، لا الصواريخ القادمة من الخارج.
وأن مقاومة العدوان الخارجي لا تتعارض مع السعي إلى إصلاح الداخل، بل ربما تكون شرطا أساسيا لحدوثه.
فالوعي الحقيقي يبدأ حين نرفض أن نُجبر على الاختيار بين ولاءين زائفين:
إما الانحياز الأعمى لإيران، أو القبول الضمني بمشروع الصهيوأمريكي الذي يستهدف الهيمنة على المنطقة من محيطها إلى خليجها بكافة مقدراتها، وهو في سبيل تحقيق مآربه لا يستنكف العصف بكل القوى الحية الضاربة في جدور نسيج هذه الدول والتي تعد بحسب نظرته تهدد مشروعه المهيمن.
وبين هذين الخيارين تبقى هناك مساحة ثالثة، هي مساحة الموقف المستقل الذي ينحاز في النهاية إلى مصالح الشعوب وكرامتها واستقرارها..
وهذا الخيار لايزال صوته خافتا ينتظر المزيد من الطحن الباتريوتي او النووي حتى يعلو صوته أكثر فأكثر.. لكن المصيبة حينها ستكون المنطقة أصابها ما يجعلها أمة مريضة إكلينيكيا.. فهل من مدكر؟!


