لماذا نعرف عارضات الأزياء أكثر مما نعرف بطلات كرة القدم؟
ولماذا نعرف مشاهير اللحظة أكثر مما نعرف صناع الحضارة؟!
ثم من الذي يقرر أصلًا من يسكن ذاكرة أبنائنا؟!
قبل أيام انتهت بطولة العالم لكرة القدم للرجال، وامتلأت الدنيا بأسماء النجوم، وتحولت أهدافهم وتصريحاتهم إلى حديث الملايين.
لكن سؤالًا بسيطًا ظل يلح عليّ:
كم واحدًا منا يعرف اسم أفضل لاعبة كرة قدم في العالم؟
رغم أن كأس العالم للسيدات سيقام العام المقبل في البرازيل، ورغم أن البطولة بلغت نسختها العاشرة، فإن أغلب الناس لا يعرفون عنها إلا القليل، ولا يكادون يتذكرون اسم لاعبة واحدة، بينما يعرفون أدق تفاصيل حياة نجوم كرة القدم الرجال.
وهنا لا أتساءل عن المرأة، وإنما عن الصورة التي صُنعت لها .. فالمرأة أثبتت جدارتها في عشرات المجالات.
تفوقت في التعليم، وبرزت في الطب والهندسة والبحث العلمي، وحققت إنجازات رياضية في التنس والإسكواش وتنس الطاولة وكرة اليد والرماية وغيرها.
إذن القضية ليست أن المرأة عاجزة عن النجاح أو المنافسة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
لماذا لا تتحول هذه الإنجازات إلى نجومية جماهيرية؟ ولماذا يعرف الناس أسماء من يصنعن الجدل أكثر مما يعرفون أسماء من يصنعن الإنجاز؟
الإجابة لا تتعلق بالمرأة وحدها، وإنما بمنظومة كاملة تصنع الشهرة.
الإعلام لا ينقل الواقع فحسب، بل يختار أي جزء من الواقع يسلط عليه الضوء.
وعندما يكرر عرض نموذج معين، فإنه يجعله حاضرًا في وعي الناس، بينما تتوارى النماذج الأخرى في الظل.
وللأسف، يبدو أن كثيرًا من المنصات الإعلامية اكتشفت أن الإثارة أكثر ربحًا من الإنجاز، وأن الصدام أكثر جذبًا من النجاح، وأن الجدل يحقق مشاهدات تفوق ما تحققه قصص الكفاح والتميز.
ولهذا أصبح من السهل أن يعرف الناس أسماء عارضات أزياء، أو مؤثرات على مواقع التواصل، أو بطلات قضايا أسرية تتصدر العناوين، بينما لا يعرفون أسماء عالمات، أو مخترعات، أو رياضيات، أو حتى أفضل لاعبات كرة القدم في العالم.
والمفارقة الأكبر أن بعض الخطابات الإعلامية لم تكتف بإهمال نماذج الإنجاز، بل ساهمت في ترسيخ صورة ذهنية تجعل العلاقة بين الرجل والمرأة وكأنها معركة لا تنتهي.
صار بموجبها الرجل في كثير من البرامج هو الخصم، وصارت المرأة هي الضحية الدائمة، وأصبح النجاح الإعلامي مرهونًا بإشعال معركة جديدة بين الطرفين، حتى خُيِّل لبعض الناس أن الأسرة ليست ميثاق مودة ورحمة، وإنما ساحة نزاع لا ينتهي.
ولا أحد ينكر أن هناك مظالم حقيقية وقضايا عادلة تستحق النقاش والدفاع عنها، لكن تحويل كل علاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع، وكل خلاف إلى معركة، وكل اختلاف إلى قضية رأي عام، لا يبني مجتمعًا متماسكًا، بل يزرع الشك داخل البيوت، ويغذي الاستقطاب بين الزوجين، ويجعل الأسرة تدفع ثمن معارك لم تخترها.
إن الدفاع عن حقوق المرأة لا يقتضي صناعة خصومة مع الرجل، كما أن إنصاف الرجل لا يكون بالانتقاص من المرأة. فالأسرة ليست فريقين متنافسين، بل شريكان في بناء حياة واحدة.
ولو أن جزءًا من الجهد الإعلامي الذي يُبذل في تضخيم الخلافات، أو صناعة النجومية القائمة على الإثارة، وُجِّه إلى إبراز النساء صاحبات الإنجاز الحقيقي، لتغيرت الصورة في أذهان الأجيال القادمة.
إن السؤال ليس فقط:
لماذا لا نعرف نجمات كرة القدم النسائية؟
بل السؤال الأهم هو:
لماذا أصبحنا نعرف من يصنع الضجيج أكثر ممن يصنع الإنجاز؟
وهنا تكمن مسؤولية الإعلام.
فالإعلام الذي يستطيع أن يصنع نجمًا من قصة عابرة، يستطيع أيضًا أن يصنع قدوة من عالمة، أو طبيبة، أو باحثة، أو رياضية، أو أمٍّ ناجحة، إذا أراد ذلك.
ولعل أكبر انتصار للمرأة ليس أن تنتصر على الرجل، وإنما أن تنتصر على الصورة النمطية التي اختزلتها طويلًا، وأن يُصبح معيار الشهرة هو قيمة الإنجاز، لا حجم الضجيج.
أنا لا أخشى على المرأة من الرجل بقدر ما أخشى عليها من إعلام أقنعها أن طريق النجومية يمر عبر صناعة الضجيج، وأن التحرر يعني التمرد، وأن القوة تعني الخصومة، وأن النجاح يقاس بعدد المتابعين لا بعدد الإنجازات.
لقد نجح الإعلام في أن يجعل ملايين الناس يحفظون أسماء عارضات أزياء ومؤثرات على مواقع التواصل، ويتابعون أدق تفاصيل خلافات المحاكم الأسرية، بينما عجز عن أن يجعلهم يعرفون اسم أفضل لاعبة كرة قدم في العالم، أو أشهر عالمة، أو أبرز مخترعة، أو صاحبة مشروع غيّر حياة الناس.
وليس هذا عجزًا في المرأة.. بل عجزًا في البوصلة.
فحين تصبح الإثارة أهم من الإنجاز، والضحية أكثر جاذبية من القدوة، والصراع أكثر ربحًا من التفاهم، فلا تتعجب إذا امتلأت الشاشات بالمعارك، وخلت من النماذج الملهمة.
لقد أقنعوا المرأة أن معركتها الكبرى هي مع الرجل، بينما الحقيقة أن معركتها الحقيقية هي مع كل من يريد اختزالها في جسد، أو قضية، أو خصومة، أو سلعة إعلامية تُستثمر في رفع نسب المشاهدة.
وأقنعوا الرجل في المقابل أنه متهم حتى تثبت براءته، وأن نجاح المرأة لا يكتمل إلا بهزيمته، وكأن الأسرة ميدان حرب لا بيت مودة ورحمة.
إن أخطر ما فعله الإعلام أنه لم يكتفِ بتغطية الصراع.. بل أصبح في أحيان كثيرة مصنعًا له، ينفخ في كيره كلما خمد، لأنه يعرف أن البيوت الهادئة لا تصنع نسب مشاهدة، وأن الأسرة المتماسكة لا تحقق «الترند».
ولهذا فإن القضية لم تعد:
لماذا لا نعرف بطلات كرة القدم؟
بل أصبحت:
لماذا أصبحنا نعرف من يُتقن صناعة الضجيج أكثر ممن يُتقن صناعة الحضارة؟
وحين يصبح الضجيج هو معيار النجومية.. فلا تندهش إذا خسر المجتمع المرأة، وخسر الرجل، وخسرت الأسرة، وربح الإعلام وحده!!!
وليس مطلوبًا من الإعلام أن يبحث عن القدوات في أماكن بعيدة، فبين أيدينا رصيد حضاري وإنساني هائل لم نستثمره كما ينبغي.
في تاريخنا الإسلامي والعربي رجال ونساء صنعوا العلم، وبنوا الحضارة، وضربوا أروع الأمثلة في الأمانة، والرحمة، والشجاعة، والإبداع، والقيادة، والزهد، وخدمة الناس. لكن كثيرًا من أبنائنا لا يعرفون عنهم إلا أسماء عابرة، بينما يحفظون أسماء المشاهير والمؤثرين عن ظهر قلب.
إن الجيل الذي خاصم القراءة بفعل السوشيال ميديا وتسارع التقنية، لا يمكن أن نطالبه بالعودة إلى مئات المجلدات، لكن يمكننا أن نعيد تقديم هذه النماذج بلغته، وبوسائله، وبصناعة إعلامية تليق بعظمة سيرهم.
لماذا لا تتحول سيرة عالم، أو قائد، أو مصلحة اجتماعية، أو امرأة صنعت مجدًا في أمتها، إلى فيلم قصير، أو وثائقي جذاب، أو محتوى رقمي ينتشر كما ينتشر أي «ترند»؟
لسنا في حاجة إلى اختراع قدوات جديدة..
نحن في حاجة إلى إعادة تسليط الضوء على قدوات موجودة بالفعل.
فالأمم لا تفقد عظماءها حين يموتون، وإنما تفقدهم حين تتوقف عن رواية قصصهم للأجيال..
فالمجتمعات لا تنهض حين تُغذَّى على الصراع، وإنما تنهض حين تُقدِّم لأبنائها نماذج تستحق أن تُحتذى
ولهذا فإن القضية لم تعد:
لماذا لا نعرف بطلات كرة القدم؟ بل لماذا أصبح أبناؤنا يعرفون أسماء مشاهير اللحظة أكثر مما يعرفون أسماء صناع الحضارة؟


