ثلاثة مشاهد مؤلمة تثير القلق على حاضر مصر ومستقبلها، وتكشف حجم الخلل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
أولا: الاستثمار تحت سيف السلطة
الحوار الذي دار بين الرئيس المصري ورجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، بشأن تخصيص نسبة من الوحدات السكنية للخدمة الاجتماعية، يحمل رسالة بالغة السلبية للمستثمرين في الداخل والخارج.
فبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع رجل الأعمال، فإن مطالبته بهذه الصورة أمام رأس السلطة تضعه في موقف يصعب معه الرفض، وكأنه مغلوب على أمره. والدولة لديها قوانين وضرائب ورسوم وتأمينات والتزامات تسري على الجميع، فلماذا لا تكون العلاقة مع المستثمر محكومة بالقانون وحده؟
وإذا كان المقصود إظهار الحرص على المجتمع وخدمة الفقراء، فإن النتيجة قد تكون عكس ذلك تماما؛ فالاستثمار لا ينمو تحت سيف السلطة، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بإشعار المستثمرين بأن نجاحهم وتوسع أعمالهم قد يعرضانهم لضغوط استثنائية.
إنها رسالة سلبية للمستثمر الأجنبي الذي يفكر في دخول السوق المصرية، ورسالة أشد خطورة للمستثمر بالداخل بأن عليه، كلما كبرت أعماله، أن يفكر في الخروج بأمواله إلى بيئة أكثر أمنا واستقرارا. وهكذا، ما يظنه البعض خدمة للمجتمع قد يتحول إلى إضرار بالاقتصاد والمجتمع معا.
ثانيا: المؤسسة الدينية وإفساد العقيدة
ومن أخطر ما تشهده مصر اليوم ذلك التحول المقلق في دور المؤسسة الدينية الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف، من تبصير الناس بأمور دينهم وتصحيح عقائدهم إلى عمل اتفاقيات مع الجفري، وتبني الموالد والمشاركة فيها، ومنها مولد السيد البدوي، وما يرتبط بهذه الموالد من بدع وخرافات وممارسات تمس أصل التوحيد، كالاستغاثة بالأموات وطلب المدد منهم.
فبدلا من أن تقوم المؤسسة الدينية بواجبها في محاربة البدع وتصحيح المفاهيم، أصبحت، في تقديري، تسهم في إضفاء الشرعية على ممارسات تفسد عقيدة الناس، وهذه مصيبة أعظم من مجرد السكوت عنها.
والأشد إيلاما أن تنشغل المؤسسات الدينية بتصفية حسابات سياسية مع الحركات الإسلامية، سعيا إلى إرضاء السلطة، بينما تتراجع رسالتها الأصلية في حماية العقيدة ونشر صحيح الدين.
فإذا كانت المؤسسة التي يفترض أن تحمي عقيدة الأمة تشارك في ممارسات تناقضها، فمن الذي يبصر الناس بدينهم؟ ومن الذي يحمي الأجيال القادمة من الانحراف العقدي؟
إن الخلافات السياسية تزول، والسلطات تتغير، أما العبث بعقيدة الأمة وهويتها فآثاره تمتد إلى أجيال وأجيال.
ثالثا: انقلاب موازين القيم
ومن المؤسف أن يتصدر بعض أهل الفن الهابط والشهرة مشهد التكريم والاحتفاء، وأن تقدم نماذج تجاهر بما يناقض قيم المجتمع وأخلاقه وكأنها رموزه وقدوته، بينما يتراجع العلماء والمفكرون وأصحاب الإنجازات الحقيقية إلى الظل.
وليست القضية في الفن ذاته، وإنما في الانحراف به، واختلال معايير التقدير، حتى أصبحت الشهرة مقدمة على العلم، والمظاهر مقدمة على الجوهر، والقدوات الزائفة مقدمة على أصحاب الرسالة والفضل.
فأي مستقبل ينتظر مجتمعا تتراجع فيه مكانة العلماء والمربين والمفكرين، بينما تتصدر مشهده نماذج لا تقدم لأجياله ما يبني عقلا أو ينهض بأمة؟
إن الأمم لا تنهض بإخضاع المستثمرين، ولا بإفساد عقيدة الناس، ولا بقلب موازين القيم، ولا بمنتديات يكلم فيها نفس الوجوه بعضهم بعضا، وإنما تنهض بالعدل وسيادة القانون، وصيانة الدين والهوية، وإعلاء شأن العلم والأخلاق.
أخشى أن تكون مصر اليوم لا تخسر استثماراتها فحسب، بل تخسر معها عقيدتها وهويتها وقيمها ومستقبل أجيالها.
فإلى أين تذهبين يا مصر؟ وإلى متى يستمر هذا العبث بمقدراتك وهويتك ومستقبلك؟


