يعدُّ الدين الحقُّ، المنزل مِن الله تعالى هو المنهج الأحكم والأسلم والأقوم للبشرية، والسبيل المنجي في الآخرة، والطريق الموصلة للتمكين وإعمار الأرض والاستخلاف فيها استخلافًا مصلحًا ونافعًا. غير أنَّ الدين المنزل ظلَّ محاربًا مِن الملأ، والذين واجهوا الوحي المنزل بالدين الموروث الذي اتَّخذوه غطاء لهيمنتهم وطغيانهم وفسادهم في الأنفس والأعراض والأموال والعقول، فلا دين إلَّا ما عرفوه وورثوه، وما عداه باطل وسحر وكفر وزندقة.
ومع نجاح الدعوة وقيام دولة الدين الحقِّ يخلف خلوف يستبدُّون بالحكم، ثمَّ يحاولون توجيه الدين لصالحهم، على أن يستغلُّوه سيفًا مصلتًا على رقاب الشعب، وقيدًا مكبِّلًا لهم. هؤلاء المستبدُّون يتَّبعون دومًا سياسة استمالة رجال الدين إليهم، ليكونوا لهم درعًا واقيًا ضدَّ الإنكار عليهم ونقدهم، وأداة لتطويع المجتمع مِن خلال الخطاب الديني لسيطرتهم وجبروتهم وسياستهم.
كما أنَّ بعض أصحاب المذاهب المنغلقة الحدِّية يميلون لفرض عقائدهم ومذاهبهم مِن خلال السلطة والقوَّة والسيف، فالدين ليس إلَّا مذهبهم، والحقُّ ليس إلَّا اجتهادهم، والصواب ليس إلَّا ما يقولونه، وما عدا ذلك خطأ وباطل وكفر. فيحتكر الدين في توجُّه عقدي، أو في مذهب فقهي، أو في مدرسة سلوكية، أو كيان دعوي، أو سلطة سياسية. ونتيجة لهذا التشدُّد والغلو والتطرُّف تنشأ ردَّات الفعل، وتظهر بوادر الردَّة في ظلِّ الانغلاق الذي لا يترك مساحة للآخرين ومدى للصواب والخطأ، والتنوُّع والتعدُّد الاجتهادي.
إنَّ احتكار الدين طريقة مِن طرق التحكُّم في ضمائر المجتمع ووجدانه، وسبيل لجعله تابعًا طيِّعًا للسلطة دون وعي أو إدراك. لهذا سعى الغرب نتيجة موقف الكنيسة المتحالفة مع الملوك والنبلاء لتحييد الكنيسة ورجالها عن الحكم والسلطة والسياسة، ما مثَّل انفراجة لتلك المجتمعات وأخرجها مِن ظلمات الكهنوت والجبروت إلى حدٍّ ما، وإن ظلَّ بينها وبين نور الوحي والدين الحقِّ مدى لم تبذل جهدًا للوصول إليه.
يتبع


