مقالات

د. أنور الخضري يكتب: الاضطرار السياسي

البعض يظن أن الاضطرار في أمور السياسة كالاضطرار في أمور المأكل والمشرب والملبس.. بمعنى أنه يمكن للمضطر في السياسة أن يصف (من دفعته الظروف إلى اتقاء شره أو جلب خيره) كما يصف الميتة!

وهذا ليس من الفقه، فعندما طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بعض صحابته أن يغتالوا عدوا لدين الله عرفوا بفطرتهم ووعيهم البسيط أن النيل منه ليس بالأمر السهل وقد عرف إسلامهم، وأنهم لا بد أن يقولوا له في رسول الله قولا يطمئنه تجاههم، فأذن لهم صلى الله عليه وسلم دون بحث فيما سيقولونه، لأن الأمر لا يقدر بقدر محدد مسبقا، وإنما يقدر في موطنه وسياقه، فهو ليس مسألة فيزيائية أو رياضية، بل خاضعة للحال إلى أقصى حد، فالإذن جاء واسع المدى مفتوح الأفق وبما يحقق المراد، بقدر ما سيلجؤهم إليه الواقع ذاته.

وهكذا في التحالف، لا يتصور أن أتحالف مع طرف ما، وهو خصم لي ومخالف لي في الدين والنهج، مضطرا ثم أظهر عداوته وضلاله وإجرامه!

هذا خلاف المنطق المعقول في التحالفات.

ولا يتصور أيضا أن آخذ من حليفي هذا ما أحتاج له وأنا صامت تماما، ما يثير الريبة في نفسه!

فأن تأخذ دون أن تعطي ولو ثناء اعتباط لا يمكن لطرف عاقل أن يتقبله بل سيكون محل ريبة لديه.

فما بقي إلا أن تقول قولا يطمئن حليفك، ويعزز ثقته فيك، ويقوي دعمه لك، وإلا فلا معنى لفتوى تجردك من الغاية التي تستفتي لها…

فلا يعقل أن تقول لي:

تحالف مع الرافضة لكن لا تكلمهم، ولا تمدحهم، ولا تبادلهم الود الظاهر، ولا تصافحهم، وحذر الناس من ضلالهم وجرائمهم، وعبس في وجوههم!

أيعقل هذا؟! وسواء تحالفنا مع الرافضة ضد اليهود أو مع الأمريكان ضد الروس أو مع الروس ضد الأمريكا؟!

أساس التحالف هو أن يطمئن إليك حليفك وقت تحالفه معك، وإلا فلو انك أثرت شكوكه -قولا أو فعلا- لم يتحالف معك. وأصبحت الفتوى لا قيمة لها، فوجودها وعدمها سواء، كأن تقول لشخص: إذا اضطررت لميتة فالشرط أن تكون مذبوحة ومسمى عليها ونظيفة ومحفوظة في الثلاجة ومغلفة بقصدير وووو الخ. في حين أن المضطر للميتة سيأكلها بعفونتها ودودها وخياستها

فلن يجد ميتة بتلك المواصفات، ولو وجدها كذلك فأين الاضطرار بالله عليكم؟!

وعاد الجنان يشتي عقل!

د. أنور الخضري

مدير مركز الجزيرة للدراسات العربية بصنعاء - اليمن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights