لا يستفزني شيء سوى السؤال المشكل والفكرة الغامضة والرأي المختلف، فهذه الأمور تدفعني للبحث والاطلاع والاستكشاف والتحقق، فخير ما يستفزك ما يستفز عقلك.
وكثير من الناس تستفزهم الشهوات والغرائز، وهؤلاء أسرى احتياجاتهم الطبيعية الدونية، وقد يرتكب المحرم أو يقع في الجريمة لأجلها، فغضبهم واستنفارهم لها، مطعما أو مشربا أو منكحا أو مالا أو جاها أو ما شابه.
وآخرون تستفزهم العواطف والمواقف، فهو يبحث عن تقدير وحب ومودة مخصصة، فإذا وجدها أم لم يجدها استفز إيجابا أو سلبا. وهؤلاء وإن كان فيهم شيء من الصنف الأول إلا أن الغالب عليهم هي الاحتياجات العاطفية، والتي إن فقدها وقع في حرام أو إجرام لأجلها.
وخير المراتب، أن يكون الإنسان مستفز العقل والوعي، باحثا في الأشياء والأحداث والأشخاص عن المعرفة والعبرة والخبرة، يغدو في سماء الفكر يتصيد المعاني والعلوم، يلتقطها ويصطادها.
ولا يخل الصنف الأخير من بعض ما في الصنفين السابقين لكنها نادرة فيه، وهو متحكم بها مسيطر عليها، يغلب على نفسه ألا ينجر خلفها ولا ينفعل لأجلها.
الصنف الأول قوته في بطنه،
والصنف الثاني قوته في صدره،
والصنف الثالث قوته في رأسه.
والإيمان يضيق مسالك الأول، ويوجه مسارات الثاني، ويفتح آفاق الثالث.


