يقول مالك بن نبي: «الاستعمار يُعدُّ من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني»! وإذا كان الاستعمار بشقه العسكري يُعد نكسة في التاريخ الإنساني، فإنه بشقه الثقافي يُعدُّ أشدَّ وأنكى؛ لأنه خلَّف وراءه أناسًا من بني جلدتنا وينطقون بألسنتنا، بيد أنهم يحترمون كل تراث إلا تراث أمتهم، بل أوقفوا أنفسهم للطعن في تراث الأمة وهويتها؛ إعلاءً لقدر الغرب وفلسفته!
ولذا كان أهم ما استوقفني- في زيارتي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م – كتاب بعنوان «صحوة أقطاب التغريب في مصر»، لأستاذنا العلامة، أ. د. مصطفي حلمي حفظه الله تعالى، والكتاب يتكلم عن خمسة أقطاب تحوَّلوا من الغُربة إلى الهُويَّة الإسلاميَّة، وهم: طه حسين، وزكي نجيب محمود، وعلي عبد الرازق، وعبد الرحمن بدوي، ومحمد حسين هيكل.
وعبَّر أستاذنا الكبير في مقدمة الكتاب، عن تقديره الكبير لهؤلاء الأقطاب؛ لِتحوُّلهم مِن بعدِ ما فُتنوا بتلك الحضارة أيام ازدهارها، واتضح لهم بعد طول معاناة بالقراءة والدراسة الشاملة – بحثًا عن الحق – بالأدلة والبراهين التي لا تقبل الجدل: أن جذور تلك الحضارة المعاصرة مُستمدة من علماء الإسلام إبَّان ازدهار حضارتهم الإسلامية، ثم اعترفوا بشجاعة أنهم اجتازوا الطريق الذي انحرف بهم عن تراثهم الإسلامي فاتخذوه مهجورًا، ولكنهم عادوا إليه مرة ثانية.
ومن ثمَّ أصبحت تجاربهم زادًا ثمينًا للأجيال الشابة لتثبيتهم وتقوية مناعتهم أمام حملات الغزو الثقافي، والتخلص من آثار ثقافة الاستعمار التي هيمنت وشكَّلت الكثير من العقول.
وحسبي أن أُنوِّه هنا لبعض أقوالٍ للفيلسوف الكبير: زكي نجيب محمود، التي تبرّهن على صدق انتمائه واعتزازه بدينه الإسلامي:
-
ظروف التغريب:
يقول فيلسوفنا الكبير: منذ جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798م، وكنا في هذه المرحلة على صلة وثيقة بما ينتجه الغرب من علم وأدب وفن، وكان أعلام هذه المرحلة يسرفون بالتباهي بثقافة الغرب وحضارته، «وكان الصوت الأعلى هو لأصحاب الثقافة المنقولة عن الغرب، وكان الشعور بالنقص هو من درس الكنز الموروث مكتفيًا به، وهو موقف فيه هزال المريض، وضعف الذليل، لا سيما إذا تذكرنا أن بلادنا في قبضة المستعمر، الذي هو صاحب تلك الثقافة، التي ينقلها ناقلوها ثم يفاخرون الناس بما نقلوا».
وبكلمات صريحة تشير بصدق قائلها، وتُلخِّص نقدَه للمستغربين الذي حكم عليهم بالانتحار الحضاري؛ لأنهم عزفوا عن (الغذاء) الذي يزيد من شعورنا بهويتنا الأصيلة، ثم استطرد قائلًا: «ولقد كنت لفترة طويلة واحدًا من أولئك الذين ضلوا سبيل الحق في هذا الصدد، فبالغتُ كما بالغوا، حتى أراد لي الله رؤيةً أهدى».
-
الإسلام يضفي على الحياة المعنى المفتقَد في حضارة الغرب:
وفي وصف فيلسوفنا لأهل الغرب، يرى أنهم يسعون بلا هدف نهائي، وهدفهم الحاضر هو تحصيل لقمة العيش، ومع التقدم العلمي الذي أنتج الآلات ربما سأل السائل: «وماذا جناه الإنسان من العلم وآلاته؟».
وفي غياب الإجابة نشأ في أهل الغرب ما نشأ من قلق ومن شعور بالاغتراب؛ «لأن الواحد منهم يحس وكأنه انسلخ عن ذات نفسه؛ ليصنع أشياء الآخرين».
ويقول فيلسوفنا الكبير: «لكن المسلمين عندهم في ديانتهم الجواب، فالصورة في عقيدتهم الدينية لِما سوف يكون بعد فناء الأرض وما عليها ومَن عليها صورة واضحة بكل تفصيلاتها، فهناك البعث والنشور، وهنالك الحساب، وهنالك الثواب والعقاب.. وهنالك العدالة بأدق موازينها..».
ويضيف: «وبهذه الإجابة الواضحة يضيف المسلمون إلى حضارة العصر معنى الحياة». ثم يقول: «إننا لا نرفض العصر، بل نضيف إليه ما ينقصه».
-
العودة إلى القرآن الكريم:
يُلحُّ فيلسوفنا الكبير على ضرورة العودة إلى القرآن الكريم ودراسته، فيقول: «ولا يتأتى للمسلم ذلك إلا إذا أمعن في دراسة كتاب الله تعالى؛ ليشارك بقوته التي يستمدها منه في هذه الحضارة مشاركة الأنداد، فتكون له السيادة كما كانت لأسلافه».
وبعد، هذا غيضٌ من فيضِ ما جاد به الكتاب القيم: «صحوة أقطاب التغريب في مصر». {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8].
❏ د. إبراهيم التركاوي
10 فبراير 2026م




