ثمة مفارقة صارخة تكشفها التطورات الأخيرة في البحر الأحمر واليمن، وتستحق أن تطرح أمام الرأي العام بوضوح بعيدًا عن الضجيج الدعائي والشعارات الأيديولوجية.
فبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن جماعة الحوثي في العاصمة العُمانية مسقط، في لقاء سري جرى قبل أيام، بعد التقدم العسكري الحوثي على الساحل اليمني وسيطرة الجماعة على مواقع استراتيجية قريبة من باب المندب. والمفارقة أن ذلك يأتي في الوقت الذي تصنّف فيه الولايات المتحدة الحوثيين جماعة إرهابية، بينما ترفع الجماعة نفسها شعار «الموت لأمريكا» وتضع مواجهة إسرائيل وأمريكا في صدارة خطابها السياسي والإعلامي.
لكن الأشد إثارة في الأمر ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة على اللقاء: أن الحوثيين أكدوا للأمريكيين أنهم لا ينوون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه مع واشنطن، فيما نقل مصدر يمني أن التعهد امتد إلى السفن الإسرائيلية والسفن التجارية، مع استثناء السفن السعودية.
وهنا يحق للناس أن يسألوا، لا دفاعًا عن حكومة أو نظام، ولا تبريرًا لسياسات أي طرف:
أين تذهب الشعارات عندما تأتي لحظة الاختبار؟
كيف يصبح الأمريكي الذي تصفه الأدبيات الحوثية بأنه «الشيطان الأكبر» طرفًا يمكن التفاوض معه سرًا، وطمأنته إلى سلامة سفنه، بينما تصبح السفن السعودية، وبلاد الحرمين نفسها، ساحة للاستهداف؟
وكيف يُفهم أن ترفع راية «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» في الخطب والشعارات، ثم تأتي ساعة الفعل لتظهر تفاهمات وتعهدات بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، بينما يستمر استهداف السعودية والمنشآت والمواقع التابعة لها؟
المسألة هنا ليست دفاعًا عن حكام السعودية، ولا تبرئةً لهم من أخطائهم أو سياساتهم؛ فذلك موضوع آخر له حساباته ومعاييره. وإنما السؤال عن ازدواجية الخطاب والممارسة: إذا كان الصراع مع أمريكا وإسرائيل هو جوهر المشروع وشعاره المركزي، فلماذا تكون الأولوية العملية في اتجاه آخر؟
بل إن التطورات الأخيرة تجعل المفارقة أكثر وضوحًا؛ فقد تحدثت رويترز عن استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، وعن تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، في الوقت الذي كانت فيه الاتصالات الأمريكية–الحوثية جارية بعيدًا عن الأضواء.
التفريق بين الشعارات والمواقف
وهنا ينبغي التفريق بين الشعارات والمواقف؛ فالشعارات يمكن أن تكون عالية الصوت، مؤثرة في الجماهير، ومشحونة بالعاطفة، لكن الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي أو عسكري هو ما يفعله حين تتعارض الشعارات مع المصالح والوقائع.
فالمواقف لا تقاس فقط بما يقوله أصحابها عن أعدائهم، وإنما كذلك بمن يتفاوضون معه، ومن يطمئنونه، ومن يتجنبون استهدافه، ومن يوجهون إليه سلاحهم.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على أصحاب هذه الشعارات ليس سؤالًا دعائيًا، وإنما سؤال سياسي وأخلاقي واضح:
إذا كانت أمريكا وإسرائيل هما العدو المعلن، فلماذا تطمئنونهما على سفنهما؟ وإذا كانت بلاد المسلمين هي ساحة المواجهة، فلماذا يتجه السلاح إليها؟
هذه الأسئلة لا تعني تبرئة الطرف الآخر، ولا تعني أن السعودية أو غيرها فوق النقد والمساءلة؛ وإنما تعني أن الخطاب السياسي ينبغي أن يخضع لمعيار واحد: مطابقة القول للفعل.
فحين تتسع الفجوة بين ما يقال في المنابر وما يجري على الأرض، يصبح من حق الناس أن يتساءلوا عن حقيقة الأولويات، وعن طبيعة الصراع، وعن المستفيد من تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب والاستنزاف.
وليس المقصود أن كل تفاوض خيانة، ولا أن كل هدنة تناقض المبدأ؛ فالدول والجماعات قد تفاوض خصومها، وقد تعقد الهدن والاتفاقات وفق حسابات سياسية وعسكرية. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحول العدو المعلن إلى طرف مطمأنٍ عليه، بينما يصبح المسلم والعربي هو الهدف الأسهل للسلاح.
وعندها لا يعود السؤال عن قوة الشعارات، وإنما عن حقيقتها حين تختبر بالممارسة.
وقد صدق الله تعالى في تصوير الفارق بين بريق القول وحقيقة الفعل:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيفْسِدَ فِيهَا وَيهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يحِبُّ الْفَسَادَ﴾ البقرة: 204-205.
فالعبرة في النهاية ليست بما ترفعه الألسن من شعارات، وإنما بما تكشفه المواقف حين يحين وقت الاختبار.
وكان الله في عون الشعب اليمني الشقيق


