منذ بدايات الصراع في اليمن مع الحوثي وزمرته، وقبل عقدين تقريبا، ذكرتُ من واقع خبرتي في الملف الإيراني والملف الشيعي، أن التعامل مع الحوثيين في داخل اليمن وخارجها، بوصفهم طرفا سياسيا في المعادلة اليمنية، خطأ جسيم، و أن الصحيح هو التعامل معهم بوصفهم جماعة ميليشياوية ذات آيديولوجية دينية – سياسية لا تتسق مع مفاهيم الدولة المدنية و لا مع قواعد المجتمع الدولي. وفي سنة ٢٠٠٧ زرتُ اليمن بدعوة رسمية من الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وقد كان حريصا على الاستماع إلى رؤيتي عن نظام الملالي في إيران وعن الحوثيين وكيفية التعامل معهم، وقد أكدتُ له في لقائي معه، على نقطتين مهمتين في نظري:
1- أن الحوثيين بما يحملونه من أيديولوجية وبحكم ارتباطاتهم بنظام الملالي، يشكلون تحديا خطيرا جدا على اليمن ومستقبله.
2- يجب أن لا يقتصر تقييم حركة الحوثيين في اليمن على ظواهرها، لأن إستراتيجية نظام الملالي تقوم على العمل السري كمن يعمل في الأنفاق المظلمة فلا يُرى نشاطه على السطح، و حين يستفحل نشاطه يظهر بنحو يفاجئ الجميع، ويجعل المواجهة معه أعقد.
أعتقد أن الدخول في نقاشات عن طبيعة ارتباط الحوثي بنظام الملالي وهل هو تحالف أو تبعية، ليس سوى جدل بيزنطي عقيم ومضلل، وقد ينم عن الجهل بآليات نظام الملالي في التعامل مع أذرعه.
والذي يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار أمران من الخطأ إغفالهما:
1- إن نظام الملالي لا يمكن أن يلقي بثقله في دعم أية جهة، إلا إذا أحرز قدرته على السيطرة عليها والتحكم في قراراتها وضبط مساراتها مع سياساته ومصالحه، وفي غير ذلك قد يدعم بعض الجهات التي لا تنطبق عليها هذه المواصفات، دعما محدودا، لكنه لا يلقي بثقله في دعمها.
ومن يعرف حقيقة دعم نظام الملالي للحوثيين، لا يتردد في أن نظام الملالي وضع ثقله السياسي والعسكري والأمني في دعمهم، الأمر الذي يدلل بحكم ما نعرفه من طبيعة عمل نظام الملالي، على أنه مقتدر على ضبط مسارات الحوثيين مع مصالحه وسياساته.
2- أن التبعية التي يبتغيها نظام الملالي من أذرعه، ليست تلك التبعية التي لا تمتلك الأذرع معها هامشا من الحركة قد يكون واسعا، فسياسة نظام الملالي مع أذرعه، تؤكد على لزوم تكييف مسارات الأذرع مع سياسات النظام ومصالحه، وتترك لهم بعد ذلك هامشا قد يكون واسعا لتقدير الموقف، ونظام الملالي حريص على مصالح أذرعه، ويدرك حاجة الأذرع أحيانا إلى تقديم تنازلات أو تدوير زوايا أو اتخاذ قرارات من شأنها حفظ وجودهم ومصالحهم، فيمنحهم هذه الفسحة من خلال الموازنة بين متطلباته الواجبة وخيارات الأذرع اللازمة.
ومن لم يدرك هاتين النقطتين، يقع في خطأ الفهم والتقدير، ويتيه في معرفة طبيعة العلاقة بين الأذرع ونظام الملالي وهل هي تحالف أو تبعية، والحقيقة أنها تبعية في المسارات مع هامش في الخيارات في إطار التوازن بين المتطلبات الواجبة لنظام الملالي، والخيارات الضرورية للأذرع.
لا ينبغي لأحد أن يتردد في لزوم القضاء على الخطر الحوثي، و يخطيء خطأ إستراتيجيا من يدعو إلى التفاهم معهم كطرف سياسي في اليمن، و من الغباء الاعتقاد بأنهم ليسوا ذراعا لنظام الملالي وإنما مجرد حلفاء.


