بحوث ودراسات

د. حلمي الفقي يكتب: إغاثة غزة ذروة سنام الإسلام

إغاثة غزة والضفة ذروة سنام الإسلام، وأرفع مقامات الجهاد، وأجل الطاعات، وأفضل القربات، وهذا هو واجب الوقت، وفرض اليوم على الأمة كلها في المشارق والمغرب، وذلك لدعم ثبات أهل فلسطين عموما وأهل غزة خصوصا في أرضهم،

وإفشال مؤامرة تهجيرهم، وترسيخ أحقيتهم ببلدهم، ومعاونتهم في مواجهة عدوهم، وتحرير وطنهم، وتطهير مقدساتهم، والتي منها مسرى رسولنا، ومعراج نبينا صلى الله عليه وسلم، وقبلة المسلمين الأولى،

وهى جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم، فالمقدسات الإسلامية في فلسطين لا تخص أهل فلسطين وحدهم،

بل هي مقدسات لأمة الإسلام في كل زمان ومكان، وحمايتها وصيانتها، والمحافظة عليها إرثا إسلاميا خالصا هو واجب المسلمين جميعا، لا أهل فلسطين وحدهم.

قال تعالي: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]

فالجهاد بالنفس والمال فريضة واجبة على المسلمين، وجاء الأمر به صريحا واضحا ثابتا في قوله تعالي: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾

والجهاد بالنفس والمال ليس فرضا واجبا فحسب، بل هو ذروة سنام الإسلام، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لمعاذ بن جبل رضى الله عنه: {رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد} رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‌الجهاد سنام العمل» رواه البخاري ومسلم.

وسنام العمل: أحسن العمل، وأرفعه، وأعلاه، والجهاد ذروة سنام الإسلام، فهو أحسن أعمال الإسلام وأرفعها، وأجلها.

فالجهاد لتحرير الأوطان، ورد العدوان من أفضل أعمال الإيمان، وأجل عبادات الإسلام، لتحرير أي حبة رمل من أوطان المسلمين في كل أصقاع الأرض، وفي كل ربوع الدنيا، وأما الجهاد لتحرير فلسطين فهو أرفع الجهاد وأحسنه لأنها الأرض التي باركها الله عز وجل، وبارك حولها، وشرفها بالمسجد الأقصى المبارك، ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعراجه، وقبلة المسلمين الأولى، فلهذا كان الجهاد لتحرير فلسطين أسمي جهاد.

وثبات أهل فلسطين في وطنهم، وتجذر سكان غزة في بلدهم، وبقائهم فيها، هو أكبر دعم للجهاد والمجاهدين، ولا بقاء لهم إلا بتعمير بلدهم، وجعلها أفضل مما كانت، بل وجعلها أفضل وأرقي وأجمل بلاد العالمين في كل مجالات الحياة الاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية، والعسكرية.

مبيت ليلة في غزة أفضل من قيام ليلة القدر:

ما حل بغزة من خراب، وما نزل بها من خوف، والدمار الذي عم ربوعها، وشمل أقطارها، حتى غدت الحياة فيها جحيما لا يطاق، ومعاناة فوق طاقة البشر، فهذا يضاعف منزلة أهلها، ويرفع ثواب العيش فيها، فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‌ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف، لعله ألا يرجع إلى أهله». رواه النسائي في الكبري، وابن أبي شيبة في المصنف.

فمجرد الحياة في غزة جهاد، حتى لو لم يكن فيها قتال، وجعل الخالق سبحانه وتعالي للمقيمين في أرض الرباط ثوابا عظيما، وأجرا جزيلا ترغيبا للبقاء فيها، وترهيبا من هجرها، والتحول عنها، فلأهل غزة بكل ليلة يعيشونها في غزة ثوابا أفضل من ثواب ليلة القدر، بل ساعة واحدة بين حطام غزة، وفوق رباها المهدم، وعلى أطلالها المباركة، وتحت أنياب الحصار القاتل الذي فرضه المحتل الغاشم خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود،  عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‌‌«موقف ساعة في سبيل الله ‌خير ‌من ‌قيام ‌ليلة ‌القدر ‌عند ‌الحجر الأسود». رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في شعب الإيمان، وقال الألباني: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.

فعلي المسلمين في المشارق والمغارب دعم أهل غزة بكل ما يستطيعون، وتوفير الحياة الكريمة لهم، وجعل غزة أجمل بلاد الدنيا، ولآن غزة – والعياذ بالله- لو سقطت في يد المحتل فلن يكتفي بها، وسيأتي الدور على سيناء، ثم ما يليها حتى يبتلع العدو مصر كلها، ولهذا كان الجهاد المالي لدعم فلسطين كالجهاد بالنفس.

جهاد المنفقين:

أيها المسلمون: يا من أحببتم أن تحشروا مع النبيين والصديقين والشهداء، ويا من اشتقتم لمنازل المجاهدين، ويا من تشوفتم إلى درجات المرابطين، وحالت المسافات بينكم وبينهم، وتقطعت بكم السبل، وعرضت لكم العوارض، ووقفت بينكم وبينهم الحدود والسدود، هل لكم في ثواب كثوابهم، ومنزلة كمنزلتهم، ودرجة رفيعة كدرجاتهم، قد جاءكم من الله ثواب وفضل عظيم، عن زيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‌من ‌جهز ‌غازيا في سبيل الله عز وجل فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا». متفق عليه.

فقدموا لغزة أموالكم طيبة بها نفوسكم، سخية بها أيديكم، ينزلكم الله عز وجل منازل المجاهدين، ويرفعكم إلى درجة المرابطين، ويحشركم مع المجاهدين، وهذه أسمي المنازل، وأرفع الدرجات، ولن تجد في ميزان الله تبارك وتعالي أسمي ولا أعلي من منزلة الجهاد، عن أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلا يَعْدِلُ ‌الْجِهَادَ، قَالَ: ‌لا ‌أَجِدُهُ» رواه البخاري ومسلم.

الجهاد بالمال:

وهنا قد يقول قائل: كيف لقاعد على أريكته، متكئ على وسادته، متنعم في بيته، أن ينال ثواب المجاهدين بنفوسهم وأرواحهم، وقد تخضبت نحورهم بدمائهم، وتطايرت رؤوسهم، وبترت أطرافهم، وعاينوا الموت من فوقهم، ومن تحتهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ومن أمامهم، ومن خلفهم.

ونقول: إن الجهاد بالمال ليس قعود، ولكنه بذل للمحبوب، وهو أمر شاق على النفوس، إلا من رحم الله، ولن يكون جهاد بالنفس إلا بعد الجهاد بالمال، فبالجهاد بالمال يتم إعداد السلاح والعتاد، وتدريب الرجال والأفراد، ونحن في عصر قل فيه الاعتماد على النفس، وأصبح الاعتماد على المال والسلاح أمرا استراتيجيا هاما وخطيرا في الحروب المعاصرة، قال تبارك وتعالي: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. (النساء: 95)

فالمال من أحب الأشياء إلى النفس، وبذله جهاد للنفس، ومحاربة للأهواء والشهوات، وقليل من يجود بماله، ويسلم من بخله، وشحه، ولقد جاء الأمر بالجهاد في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثين موضعا، منها عشرة آيات ورد الأمر فيها بالجهاد بالنفس مقرونا بالجهاد بالمال، منها واحدة فقط تقدم فيها الجهاد بالنفس على الجهاد بالمال، وهى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (التوبة: 111)

وفي المواضع التسع الباقية تقدم فيها الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس،

 وجاء في السُّنة النبوية أيضا تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس:

عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «جَاهِدُوا الـمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ».  أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارمي.

 فما الحكمة في تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؟

قال ابن القيم – رحمه الله – في كتابه الفوائد، في حكمة تقديم المال على النفس:

 “هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزاً وجب عليه أن يكتري بماله.

ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصحَّ من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بَيِّن، وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر”.

فالتبرع بالمال لغزة هو أوجب واجبات الوقت، وأفضل وأجمل ما يدخر المرء لآخرته فقدموا لأنفسكم من أموالكم ما ينفع إخوانكم ويكون ذخر لكم عند ربكم ويدعم إخوانكم في مواجهة عدوكم، وعدو الإنسانية كلها

د. حلمي الفقي

أستاذ الفقه والسياسة الشرعية المشارك بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights