استيقظت المنطقة على حقيقة صادمة تجاوزت أزيز الطائرات ودوي الانفجار، لتكشف عن تصدع بنيوي في أعمدة “النموذج الخليجي” الذي سُوق له طويلاً كواحة للاستقرار الاقتصادي.
إن الحرب الجارية على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت “لحظة الحقيقة” التي عرت الهشاشة الكامنة خلف الواجهات الزجاجية الشاهقة.
وأثبتت أن مدن الأحلام التي تخطف الأبصار، وفي مقدمتها دبي، كانت تقف على ساقي دجاجة، لتهتز وتسقط مع أول عاصفة حقيقية وتتحول سريعاً إلى مدن أشباح، معلنةً بذلك انكسار العقد الاجتماعي الذي قام على مقايضة الرفاه بالولاء تحت حماية أجنبية أثبتت الأيام أنها “وهنٌ على وهن”.
انهيار الركائز وانكسار العقد الاجتماعي
وعلى حسابه بمنصة فيس بوك أكد الدكتور خليل العنانى الباحث فى العلوم السياسية والمحاضر بجامعات بأمريكا، أنه من النقاط الجوهرية التي يجب التوقف عندها في تداعيات الحرب الجارية على إيران، أنها كشفت—بلا مواربة—هشاشة دول الخليج، بل وانهيار ما يُسمّى بالنموذج الخليجي في التنمية، والذي تجسّد بصورة صارخة في حالة دبي.
وقال: ” هى مدينة تخطف الأبصار ببناياتها الشاهقة وحياتها الصاخبة، لكنها في الحقيقة تقف على ساقي دجاجة؛ تهتز وتسقط مع أول عاصفة حقيقية، لتتحول سريعاً إلى مدينة أشباح”.
ويكمل: ” هذا النموذج قام أساساً على فكرة الدولة الريعية، التي أسست لعقد اجتماعي بسيط: الرفاه مقابل الولاء، وهذا العقد وفر شرعية سياسية مشروطة للعائلات والمشيخات الحاكمة انطلاقا من ركيزتين أساسيتين: تدفق النفط والحماية الخارجية، غير أن الحرب على إيران جاءت لتسقط هاتين الركيزتين دفعة واحدة.
ارتهان الثروة لسطوة الجغرافيا العسكرية
وأوضح أنه : أولاً، كشفت الحرب قدرة إيران على تهديد شريان الحياة لهذه الدول عبر التحكم في مضيق هرمز، الذي تمر منه النسبة الأكبر من صادرات النفط والغاز، أي أن مصدر الثروة ذاته أصبح رهينة للتوازنات العسكرية، بما يعني عملياً تهديداً مباشراً لاستدامة نموذج الرفاه الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي وبالتالي إمكانية انهيار حكومات هذه البلدان في أي لحظة بسبب عدم قدرتها على إبقاء النموذج فاعلا.
تعرية وهم الحماية وسقوط الأقنعة البراقة
أما ثانياً، فقدعرّت الحرب وهم “الحماية الخارجية”، فالقواعد العسكرية الأجنبية التي كان يُفترض أن تؤمّن هذا النموذج لم تنجح حتى في تحصين وحماية نفسها، ناهيك عن حماية محيطها.
بل إن التجربة أثبتت أن هذا “الأجنبي” ليس فقط عاجزاً عن الحماية، بل قد يكون أحد مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
وقال: ” الواقع كشف ايضا أن هذا النموذج لم يكن سوى واجهة براقة تخفي خلفها اقتصاداً هشاً، ومجتمعاً استهلاكياً، وبيئة مفتوحة (في حالة الإمارات) على كل أشكال الانفلات: من تجار الجنس، إلى شبكات المخدرات، إلى غاسلي الأموال، ومرتزقة الحروب، وحتى بعض الطغاة الهاربين”
نهاية التبشير باللحظة الإماراتية المأزومة
وأشار الدكتور العنانى الى أنه: ” بهذا المعنى، لم تعد الأزمة مجرد خلل عابر، بل انهيار بنيوي لنموذج كامل استند طوال العقود الخمسة الماضية إلى هاتين الركيزتين، والذي اعتقد البعض—بسذاجة—أنه قابل للتعميم على العالم العربي، بل وذهب بعضهم، مثل عبد الخالق عبد الله، إلى التبشير بما سُمّي “اللحظة الإماراتية” كنموذج يُحتذى”
وتساءل: ” ما المخرج من هذا المأزق؟ ويجيب: “هناك خياران لا ثالث لهما: الأول: خيار قصير المدى، عالي الكلفة، وغير مضمون النتائج، وهو محاولة التخلص من التهديد الإيراني بالقوة والتدمير.،
وعن الخيار الثانى قال الدكتور العنانى، أنه خيار استراتيجي طويل المدى، يقوم على التعايش مع إيران—بل والتعاون معها—بوصفها حقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن تجاوزها.
وهذا الخيار، رغم صعوبته نفسياً وسياسياً، هو الأكثر عقلانية وأمناً واستدامة، لكنه يتطلب مراجعة استراتيجية جذرية ومصالحة صادقة مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، تمهيداً للعبور إلى مستقبل مختلف، وبدون ذلك سيظل جذر الأزمة قائماً بل يزداد سوءا.


