عندما التقيت لأول مرة بفضيلة الشيخ سيد سابق رحمه الله في أواخر عام ١٤١٩ / ١٩٩٨ دار في ذهني وقتها شريط من الذكريات مدته حوالي عشرين عاما؛ تبدأ منذ أن رأت عيناي كتابه النافع «فقه السُّنّة» لأول مرة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.
وقد كنت رأيت كتاب «فقه السنة» لأول مرة عندما غادرت مرحلة الطفولة والصبا منتقلا لمرحلة الشباب التي يقضيها غالبنا في اللهو والإقبال على الحياة، يعيش مغامراتها وتتفتح عيناه على جوانب جديدة من اللهو والمرح واللعب.. بيد أن رعاية الله وتوفيقه ويديه الحانيتين على عبده الضعيف ولطفه الخفي كانوا أسبق إليه في تلك السن؛ فعصم وهدى ووجه وأرشد.. فلله الحمد من قبل ومن بعد.
ولا أذكر على وجه الدقة كيف وصل إلى آنذاك هذا الكتاب المبارك… الذي لعب دورا مهما في تنظيم عقليتي الغضة آنذاك.. وفتح لي آفاقا من التأمل والفقه وفهم التكاليف الشرعية.
تصورت وقتها أن مؤلف الكتاب رجل من السلف الصالح من جيل الأئمة الأُوَل… لا سيما في المجلد الأول.. ولكن بعدها بعام أو أكثر وعندما وصلت لنظراته الواقعية وتحليله لواقع المجتمع المعاصر ومشاكله وطرح حلول عصرية لها، لا سيما في باب الزواج والبيوع وغالب المعاملات العصرية، أدركت وقتها بأنه رجل معاصر.. ولكني حسبته ليس حيا بيننا آنذاك..
ساعدني كتاب «فقه السنة» في الدخول لعالم الفقه وقراءة كتب قديمة تعتبر ثقيلة على من هم في سني.. كما كان لحضوري دروس الفقه للشيخ عبد العاطي قريطم رحمه الله في مسجد المحطة بحوش عيسى، أثناء فترة الثانوي، أثر عظيم في استيعابي للأمور والمسائل التي ربما تستغلق على من هم في سني آنذاك..
كنت في المرحلة الإعدادية وما قبلها أسمع من كبار السن في قريتي والقرى المجاورة إذا اختلفوا في أمر من أمور معايشهم قالوا: نروح للشرع. وعرفت لاحقا -في آخر سنة في الإعدادية- أنهم يذهبون للشيخ عبد العاطي قريطم رحمه الله.. مما جعلني اهتم بالسماع منه.
انتقلت بعد ذلك إلى جامعة الإسكندرية وعجبت إذ وجدت مع أحد زملائي كتابا للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله اسمه «تمام المنة» تعليقا على بعض المسائل في «فقه السنة» فقرأته في يومين اثنين.. فأعجبني بعضه.. ولم يعجبني بعض المسائل فيه!
سألت زميلي: هل قرأت كتاب فقه السنة؟
قال: لا!
قلت: هل رأيته؟ أو سمعت عنه قبل ذلك؟
قال: لا!
قلت: فكيف تنتفع ب «تمام المنة»؟
وشرحت له قصة «فقه السنة» وقصة «تمام المنة» وأن الشيخ الألباني رحمه الله فيما يبدولي لم يقصد تأليف كتاب.. إنما هي ملاحظاته وتدويناته الشخصية كهوامش على كتاب فقه السنة.. وذلك لانتشار كتاب «فقه السنة» بين طلبة العلم والعامة وغيرهم.
قال: إذن خذ أنت «تمام المنة» فإنك أولى به.. ففرحت بذلك..
ثم قال لي هذا الزميل ممازحا: طيب.. ما دام عندك ملاحظات على بعض المسائل في «تمام المنة» إذن ألِّف أنت كتابا في الرد عليه.. فضحكت طويلا.. أين أنا من الشيخ الألباني رحمه الله.. وكنت وقتها متشوقا لرؤيته وأخطط للسفر إليه.
بعدها بأيام قلت لزميلي: ماذا تقترح أن أسمي كتابي في الرد على تمام المنة؟
قال: سمه «الدر المرصوص في التعليق على بعض النصوص»!
قلت: عندما يبلغ الشيخ الألباني -وكان لا يزال حيا- كتابي هذا سيؤلف كتابا في الرد علي باسم: «الدر المرصوص في الرد على هذا المفعوص» ثم ضحكنا كثيرا وافترقنا.
رحم الله الشيخ سيد سابق الذي ترك أثرا ورمى بسهم أحدث مفعولا.. وانتفع به جيل.. وتربى عليه خلق كثير.
أنصح بقراءة كتاب «فقه السنة» وعدم الالتفات لبعض الملاحظات للبعض عليه.. ولا بأس بالانتفاع بهذه الملاحظات.. فالكمال لله وحده.


