لسنا نبدأ حياتنا الزوجية من فراغ، ولا ندخلها بعقولٍ بيضاءَ خالية؛ بل نحمل معنا تصوّراتٍ موروثة، تشكّلت في بيوتنا الأولى، قبل أن نسمع موعظةً، أو نقرأ كتابًا، أو نحضر دورةً.
ومن خلال التجربة في مجال الإصلاح في العلاقات الزوجية، يتبيّن بوضوحٍ أن كثيرًا من تصوّرات الأبناء والبنات عن الزواج مصدرها الآباءُ والأمهات؛ لا من حيث الأقوال فحسب، بل – وهو الأهم – من حيث السلوك اليومي، وطريقة التعامل، وأسلوب إدارة الخلاف، ولغة الرحمة أو القسوة داخل البيت.
فإذا كان الأبوان يعيشان زواجًا منضبطًا بهدي الله، ومستنيرًا بسنة رسول الله ﷺ، تلقّى الأبناء هذا الهدي حالًا وسلوكًا قبل أن يتلقّوه توجيهًا ووعظًا؛ فكبروا وهم يحملون صورةً صحيحةً للعلاقة الزوجية، ثم أعادوا إنتاجها – بإذن الله – في بيوتهم الجديدة.
أمّا إذا كانت الحياة الزوجية في بيت الأبوين قائمةً على سوء الفهم، أو الجفاء، أو الظلم، أو غياب الرحمة، فإنّ الأبناء – من حيث لا يشعرون – يحملون هذا النموذج معهم، ويعيدون تمثيله بعد الزواج، وإن ظنّوا أنهم يرفضونه.
فالابن – في الغالب – يعامل زوجته بطريقةٍ أقرب إلى معاملة أبيه لأمّه، والبنت – في الغالب – تتعامل مع زوجها بروحٍ تشبه ما رأته من أمّها مع أبيها.
وهنا تكمن الخطورة:
أن نُورِّث أبناءنا حِكمةً ناقصة، ونرسلهم إلى الزواج محمّلين بتصوّراتٍ لم تُمحَّص، ولم تُصحَّح، ولم تُعرَض على ميزان الهدي النبوي، والمودّة، والرحمة، والسكينة، التي جاءت في كتاب ربّنا، كما قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.
تيقّنوا، أيها الأحبّة، أنّ إصلاح بيوت الأبناء يبدأ من إصلاح بيوت الآباء، ومن تصحيح النموذج الذي نعيشه في بيوتنا؛ فأبناؤنا لا يتزوّجون بما نعلِّمهم بل بما نعيشه أمامهم، وما نمارسه بين الجدران سيظهر يومًا في بيوت أبنائنا، والله المستعان.


