أصبح العالم كله على خبر هز أركانه وزلزل مفاهيمه وقيمه، خبر كالصاعقة «ترامب يعلن أن أميركا اعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من القصر الجمهوري هو زوجته ونقلتهم لبلد آخر»
بهذه البساطة ينشر ترامب الخبر، ضاربا بكل الأعراف الدولية والمنظمات الحقوقية عرض الحائط، هكذا هي شخصية ترامب، التي يفرضها على الجميع فهو لا يرى نفسه إلا حاكما للعالم ولا ينبغي لسيد سادات العالم أن يراعي أحدًا أو أن يهتم لنظام ما، لقد جاء ترامب في شخصيته ليمثل صورة مغايرة لهذه الوجوه التي تخدع وتمكر وتدبر بليل، فهذا الرجل يرى أن العالم أقل في نظره من اأن يخفي عنه وجهه القبيح، وهذا ما أكده البروفيسور (دان ماك آدمز) الذي دَرَّس في جامعة ويسترن الشمالية الواقعة خارج مدينة شيكاغو، في كتاب له بعنوان «حالة دونالد ترامب الغريبة: دراسة نفسية» وقد حاول (آدمز) لفيه رسم صورة نفسية لترامب وتصرفات كما حاول أن يبسط لماذا يتم فصل الكثير من تصرفات ترامب عن “الحقيقة والواقع”؟ وكيف لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به ترامب؟ وأن هذه التصرفات تدلل على سلطوية واستبداد كبير مع صبغة أميركية قياسية، مع تطور أميركي.
لقد قسم ترامب العالم إلى: نحن وهم، وفي هاتين الحالتين كان هناك دوما: نحن وهم، ونحن الأفضل والأجمل وهم الأسوأ والأقبح. وهذا ما أكده أيضًا السيناتور الأميركي (تيد كروز) حين قال يوما عن ترامب عقب انتهاء ولايته الأولى: «دونالد ترامب نرجسي على مستوى لا أعتقد أن هذا البلد قد رآه على الإطلاق من قبل» واليوم يقرر التاريخ أن ترامب لم تر أميكا مثله، بل والعالم بأسره، فما حدث اليوم في فنزويلا هو صدمة كبرى تزلزل كل المفاهيم والقيم والمنظمات والمنظومات والعلاقات السياسية الدولية فهو بحق أبشع عملية قرصنة وبلطجة سياسية،
ففي ساعة واحدة.. انفجارات متزامنة، تعطيل للاتصالات والكهرباء، ضربات دقيقة استهدفت مراكز القيادة والدفاع الجوي.. تنتهي بخبر صادم يُعلن فيه (فتوة حارة العالم) اعتقال رئيس دولة مع زوجته من قلب عاصمته ونقله خارج بلاده.
في ساعات قليلة، ليخبرنا هذا الحال الدراماتيكي أن حدود الدول لا تحمى العروش، وأن قطع الشطرنج تتحرك بيد مالك الرقعة، لينتبه الجميع إلى مواقعهم في هذه الرقعة وليؤدي الجميع دوره حسبما خُطط له ورسم وإلا فقد عرشه وأطيح به، وليسترجع الحكام جميعا مثلنا الشعبي: «اضرب المربوط يخاف السائب»
الآن تحطم صنم الحرية المزعوم ووهم الحقوق المزيفة، وليست هذه هي المرة الأولى التي يقول فيها لاعب الشطرنج الأمريكي: (كش ملك) فقد حدث نفس الأمر مع الرئيس البنمي مانويل نورييجا عام 1989 عندما هبطت المظلات الأميركية لاعتقاله من داخل قصره فهرب لسفارة الفاتيكان وتم تسليمه ومحاكمته في أميركا واليوم يتكرر سيناريو بنما في فنزويلا وفي ضربة خاطفة، لم تستغرق أكثر من نصف ساعة تصيب فنزويلا بالشلل والانهيار الكامل في شبكات الدفاع الفنزويلية وعلى الأرجح أن العملية تظللها خيانة محلية ؛ لأن المروحيات الأميركية كانت تطير على ارتفاع منخفض في منطقة القصر الجمهوري في (ميلا فلوريس) وهكذا تعيد أمريكا الرسالة للعالم بأنها حاكمة العالم وسيدته المسيطرة، ليتم تحديد المواقع بناء على المنطق البوشي المُعلن سابقا: «من ليس معنا فهو علينا» إن فكر رئيس لدولة ما أن يكون له رأي فالديمقراطية الأمريكية في انتظارك وهي ديمقراطية من نوع فريد ديمقراطية البلطجة ولمس الأكتاف وهي نفس الديمقراطية التي منحت جائزة نوبل للسلام لمنشقة مثل (ماتشادو لا شك) التي ساعدت الاميركيين على اعتقال رئيس بلادها، وعلى الديمقراطية التي يتغنى بها الناس السلام وعلى تمثال الحرية الذي يرفع الشعلة في أمريكان أن يهزأ بهؤلاء البسطاء الذين يصدقون الأكذوبة فهذا هو المجتمع الدولي الذي نعيشه..
خطف رؤساء جمهورية من قصورهم وتدمير بُنية تحتية لدولِ تحاول أن يكون لها إرادة وقلب لأنظمة في لحظات، فالأسير كان رئيس دولة قبل ساعات والآن أصبح مجهول المصير، ينتظر ما يقرره حاكم البيت الأبيض.. الأبيض جدا.. ليقرر عليه العقوبة المستحقة على من رفض الخضوع لأميركا.
إن ما حدث اليوم هو رسالة تكشف وجه الدبلوماسية الأمريكية، رسالة لها ما بعدها وعلى العالم ان يستقبل هذه الرسالة، التي تحتاج إلى وعي في قراءتها وتحليل مدلولاتها والتعامل معها.


