انتشرت في الآونة الأخيرة دعاوى صيغت في عبارات منمقة وجاءت في ثوب قشيب، لا يُعارضها عاقل في مجملها، ومنها ربط التعليم بسوق العمل، وفي البداية هي دعوة خير ورشد إن أُحسن توظيفها بربطها بفروض الكفايات وما يحتاج إليه الناس والشعب والأمة، فينظر من يضع خطط التربية والتعليم إلا هذه الاحتياجات فيضعها في حجمها فلا يُقلل منها فتحتاج الأمة والشعب إلى استيرادها من غيرها، وكذلك لا يُضخم في أهميتها والحاجة إليها فيجعل الجهود تنصرف إليها دون غيرها، فتكون النتيجة هي أن يأتي المخرج النهائي أكبر من الحاجة مما يؤثر بالضرورة على نقص في حاجة أخرى وندخل في حلقة مفرغة، وإنه لمن العبث أن يُحاول بُناة الأوطان -المعنيون بالتخطيط لمستقبل الشعوب- بناء وطن دون تحديد معالم هذا البناء المستقبلي، ودون معرفة معالم هذا الوطن وهويته، وما يحتاجه هذا الوطن من أبنائه في الغد في مواجهتهم حياتهم وفي تعاملهم مع ما يُحيط بهم، ومع تعلم ما يمكنهم من التعامل مع العدو والصديق على حد سواء، وإذا كان من يحاول بناء بيت، يضع له قبل البناء تصميما هندسيًّأ، يُراعي فيه ما يستجد في مستقبل الأيام، فكيف بمن يريد بناء وطن وتربية جيل ورسم مستقبل، والتخطيط لغدٍ آت.
لأجل هذا كان لزاما على واضعي خطط الشعوب ألا يغفلوا عن أسئلة الهوية الحتمية. من نحن؟ من نحن كشعب؟ هل نحن شعب منعزل؟ ام لنا حدود جغرافية، وروابط ووشائج تربطنا بغيرنا، كما لنا تاريخ وثقافة؟ وما هو الذي يميزنا في سماتنا الثقافية والحضارية عن غيرنا؟ وما هو الذي نشترك فيه مع الآخرين؟ وفي ضوء هذه المعرفة ننتقل للإجابة على أسئلة أخرى.. منها كيف نحافظ على هويتنا؟ وكيف نستفيد مما يميزنا في حاضرنا ومستقبلنا؟ ومن هنا تنشأ الإجابة عن سؤال وماذا نُريد؟ فإذا فهمنا من نحن؟ وكيف نستفيد من مكونات هويتنا؟ اتضح أمامنا سبيل الغد وما نريده في المستقبل لأجيالنا..
لكن أن نجعل من التخطيط المستقبلي سقفا محددا وهو متطلبات سوق العمل فهذا سيدخلنا في درب بل دروب من التخبط، وقد يضع أقدام الشعب على الهاوية، وهذا ما بدأت بوادره من دعاوى بعض قاصري الرؤية -ممن لا تتعدى نظرتهم مواطئ أقدامهم- من التركيز في التعليم على اللغات الأجنبية وإهمال العربية الفصحى ومن دعاوى بعضهم أن يكون الدين مادة ثانوية، وهذا حوار دائر في هذه الآونة حول الدين واللغة العربية في مناهج المدارس الدولية ،وقد كشف عن امتعاض بعض الأسر والمدارس -التي تأثرت بهذه الدعاوى الفارغة- من تدريس اللغة والدين، بل قد ذهب الأمر لما هو أبعد من تربية الأبناء في بعض الأُسر على منتوج الثقافة الغربية مما يُحدث قطيعة بينه وبين هويته وأمته وشعبه ومجتمعه، ولا أستبعد ـرغم كوني ممن لا يؤمنون بنظرية المؤامرةـ أن يكون لإعداء أمتنا دورا بارزا في التسويق الخاطئ والتوجيه القاصر لمقولة احتياجات سوق العمل، فليت صُناع القرار والمعنيين بالتخطيط أن ينتبهوا، فليس من الحكمة تجاهل هوية الشعب وتاريخه وعقيدته وتصوره للحياة، فتجاهل هذه الحقائق لا ينشئ إلا الشر، مهما تكن الاتجاهات التي يُراد فرضها طيبة في منطلقاتها الأولى، ومن الواجب على الأمم والشعوب التي تسعى للنهضة ومواكبة الركب الحضاري أن تستوعب تجارب غيرها من الأمم والشعوب،
فهذه الخبرة واليقظة والوعي هما أساس بناء المستقبل وحجر الزاوية في بناء غدٍ أفضل إذا شئنا أن نضع حدًّا لسياسة الارتجال، وأن نميز الغد المشرق بطابع يليق بشعبنا وأمتنا، كما يضاف إلى هذا الوعي يقظة من لون خاص تلقي أمانة أخرى على كاهل المنوط به التخطيط، هذه اليقظة تتمثل في التنبه إلى الفخاخ التي يضعها عدو الأمة والشعب في طريق النهضة، فينبغي على المُخطط للمستقبل أن يوازن الأمور فلا يُهمل الدعوات الحديثة، ولا يأخذ من الدعوات إلا بالقدر الذي ينفع، فإن الدواء إذا زادت جرعته انقلب داءً.


