الشيخ سليم البشري (1248 – 1335هـ) (1832 – 1917م). هو أحد علماء الأزهر الأجلاء، وقد تولى رحمه الله مشيخة الأزهر مرتين، الأولى من سنة 1899حتى سنة 1903م، والثانية من سنة 1909م وحتى وفاته سنة 1917م. كما كان رحمه الله أول رئيس لهيئة كبار العلماء بالأزهر، وهو والد القاضي الأديب الشيخ عبد العزيز البشري أحد ظرفاء مصر في القرن الماضي، كما أنه جد المستشار طارق البشري، رحم الله الجميع.
وللشيخ سليم البشري عدد من المؤلفات النافعة، في موضوعات شرعية متنوعة. وله شرح ضافٍ على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي، سماه: (وضْح النهج). وقد أفاض رحمه الله في ذلك الشرح في بيان جوانب من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بيان حقيقة الإسلام والدفاع عنه والتصدي لمناوئيه.
وقد وجدت له كلاماً حسناً في بيان ما يجب على المسلم من الفخر بدينه وعقيدته، وعدم الفخر بأهل الجهل والجاهلية، وإن كانوا ينتسبون لبلده وموطنه، وذلك عند شرحه لقول شوقي رحمه الله:
وَاترُك رَعمْسيسَ إِنَّ المُلكَ مَظهَرُهُ في نَهضَةِ العَدلِ لا في نَهضَةِ الهَرَمِ
وكان شوقي قد بيَّن قبل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الحق الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وقامت على أساسه حضارة عظيمة تقوم على الحق والعدل، وأن تلك الحضارة قد فاقت حضارتي فارس والروم كما في قوله:
دَع عَنكَ روما وَآثينا وَما حَوَتا كُلُّ اليَواقيتِ في بَغدادَ وَالتُوَمِ
وَخَلِّ كِسرى وَإيواناً يَدِلُّ بِهِ ** هَوى عَلى أَثَرِ النيرانِ وَالأُيُمِ
ثم جاء البيت المذكور (وَاترُك رَعمْسيسَ…إلخ)، والذي يتحدث فيه شوقي عن الحضارة المصرية القديمة، وأنها رغم ما بلغته من التشييد والبناء الذي أبرز مظاهره تلك الأهرامات، فإن ذلك لا يساوي شيئاً إذا ما قيس بحضارة الإسلام ومدنيته.
وقد بين الشيخ البشري في شرحه لهذا البيت أن شوقي لا يقصد الملك رعمسيس (رمسيس) بعينه؛ لأن رمسيس ليس هو باني الهرم، وإنما أراد شوقي بذلك الإشارة إلى ملوك مصر القديمة على الجملة، وأنهم مهما بلغ مجدهم، فإن الفخر الحقيقي لا يكون بمثل تلك البنايات السامقة التي هي مجرد قبور لأولئك الملوك. وإنما يفخر أهل الحق بإيمانهم بالله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا رب سواه.
وذلك حيث يقول رحمه الله في شرح البيت المشار إليه: (يقول: ما كان لقدماء المصريين أن يفاخروا بمدنيتهم التي أسمى مظاهرها هو هذا البنيان السامق، على حين أمسى أكبر الأدلة على ظلمهم وجبروتهم. وأي مدنية هذه التي تزين لرجلٍ واحد أن يسوق من رعيته مائة ألف رجل أو يزيدون، فيحملهم الأثقال ويسخرهم في مشاق الأعمال.
حتى إذا ما دُقَّت أعناقهم واختلفت أضلاعهم وفتت سواعدهم، التقط غيرَهم من أمته التي أوشكت أن تفنيها ثلاثون سنة على هذه الحال بلا أجر ولا جزاء. كل ذلك ليبني قبراً لنفسه يطاول كيوان (اسم لكوكب زحل بالفارسية) وتبلى دونه الأزمان. ليس هذا بمظهر التمدن.
إنما مظهره العدل الذي تصلح به أحوال الرعية وتستقيم به أمورهم فتنهض بهم الدولة ويعلو شأن الأمة. والعدل أساس الملك). [ص: 105-106]
ملاحظة: ما ذكره الشيخ البشري من كون الأهرامات قد بنيت بالسخرة، هو ما ذكره المؤرخ الإغريقي هيرودت الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، وخصص للحديث عن مصر جزءاً من كتابه ” التاريخ”. ولكن هناك آراء حديثة تنفي وقوع تلك السخرة، وأن المصريين الذين بنوا الأهرامات كانوا يعملون بالأجرة، وليس بالإجبار والسخرة.
وأياً ما كان الأمر فإن مقصودنا من إيراد كلام البشري رحمه الله هو أن اعتزاز المسلم وفخره إنما يكون بدينه وعقيدته، وأن حب المسلم لبلاده ودفاعه عن أوطانه لا يعني التمحور حول ما يسمى بفكرة الوطنية والتعصب لها، وما يستتبعه ذلك من إحياء العصبيات الجاهلية المقيتة؛ كأن يتعصب المصري للفرعونية، واللبناني للفينيقية، والعراقي للأشورية، ونحو ذلك.
ولذا يقول شيخ الأزهر السابق الشيخ محمود شلتوت رحمه الله: (إن الإسلام لا يعرف وطنية إقليمية، ولا يقرها، ولا يقر العصبية الشعوبية الخبيثة. ولكن وطن الإسلام حيث يكون المسلمون، وبلدهم حيث ينادي المنادي ويهتف: “لا إله إلا الله محمد رسول الله ” فالمسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة مهما شط بهم المزار، وتباعدت بهم الديار (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر). فالوطن الإسلامي لا يحد بحدود سياسية، ولا ينفصل بفواصل جغرافية ولا يفرق بين أهله لونٌ ولا لغةٌ ولا جنسٌ ولا بلدٌ، والمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أخو المسلم ومواطنه. لا فضل لعربي على عجمي، ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح). [مجلة الهدي النبوي عدد ربيع الثاني 1371هـ].
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن نعلم أن هذه التقسيمات المصطنعة التي يتغنى به دعاة الدولة القُطرية اليوم ما هي إلا بقيةُ من إرث الاستعمار الغربي، وضع أسسَها شخصان كافران: (مارك سايكس البريطاني، وجورج بيكو الفرنسي)، فيما عُرف باتفاقيات “سايكس –بيكو”. ولو دعا داعٍ الآن إلى إزالة تلك الحدود المصطنعة، وأن يعود المسلمون دولةً واحدة كما كانوا لقامت عليه قيامة أدعياء الوطنية متهمين إياه بأنه لا يحب بلاده، أو أنه متطرف إرهابي داعشي، إلى غير ذلك من التهم الجاهزة المحفوظة لديهم.
هذا مع أننا نعلم أن مصر تبنت إبان حكم الرئيس عبد الناصر فكرة القومية العربية. ولا زلنا حتى الآن نذكر أغاني تلك الفترة ومقرراتها المدرسية والتي كان همها الأول تمجيد الأمة العربية والدعوة إلى توحيد بلدانها في دولة واحدة، ولا يزال دعاة القومية يرددون ذلك إلى يومنا هذا، ومع ذلك لا نجد مَن يتهم أولئك القوميين بخيانة بلادهم ولا السعي في تخريبها كما يُتهم بذلك دعاة الوحدة الإسلامية.
فإلى الله المشتكى
عبد الآخر حماد
10/ 8/ 1447هـ- 29/ 1/ 2026م


