كنت منذ أشهر استقل حافلة بمدينة القاهرة، فلما مرت بنا الحافلة أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين بشارع رمسيس، وقع بصري على بابٍ جانبي صغير مكتوبٍ عليه: “مخازن هيئة الشبان العالمية”، فاستغربت من وجود هذا الاسم على هذا المبنى الذي أعرف من قديم أنه مقر “جمعية الشبان المسلمين”.
ولما كنت لم أنتبه للاسم المكتوب على البوابة الرئيسية للمبنى، نظراً لسرعة السيارة، فقد تخيلت أن هناك جهة بهذا الاسم (هيئة الشبان العالمية)، قد استأجرت هذا المخزن من جمعية الشبان المسلمين، ولم أُعِر الأمر كبيرَ اهتمام، خاصة وأني منذ زمنٍ لا أتابع أخبار جمعية الشبان، ولا أعرف هل لا تزال كما عهدناها قديماً، يوم أن كانت دارها لا تخلو من الندوات الثقافية، والمحاضرات الإسلامية التي كان يلقيها أمثال الشيخ الغزالي والشيخ الباقوري، والشيخ عبد اللطيف مشتهري، والشيخ الشرباصي، رحم الله الجميع وعفا عنهم.
لكني لما عدت إلى أسيوط فوجئت عند مروري أمام فرع جمعية الشبان المسلمين، بوجود نفس الاسم السابق على المبنى: ” هيئة الشبان العالمية فرع أسيوط”. فدفعني الفضول إلى البحث عن سبب هذا التغيير الذي رأيته.
وبالبحث تبين لي أن مجلس إدارة جمعية الشبان المسلمين قد اتخذ قراراً في سنة 2019 بتغيير اسمها إلى : “هيئة الشبان العالمية”. وقالوا في تبرير ذلك إنهم خشوا أن يختلط اسمها باسم “جماعة الإخوان المسلمين”، بسبب التقارب الكبير بين الاسمين.
والحق أن هذه حجة واهية ؛ فقد شهدَتْ فترة الخمسينيات والستينيات صراعاً مريراً بين الحكومة وحركة الإخوان، وكانت جمعية الشبان المسلمين موجودة منذ العهد الملكي، واستمرت أيام الرئيس عبد الناصر بهذا الاسم، ولم يحدث هذا الخلط، ولم يفكر أحد من المسؤولين في هذا التفكير العبقري الذي طلع علينا به هؤلاء القوم؛ بل إن أستاذنا الشيخ أحمد حسن الباقوري كان هو الرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمين، في فترة السبعينيات وحتى وفاته في منتصف الثمانينات، وهو معروف بانتمائه السابق للإخوان، فلو كان هناك تخوف من الربط بين الجمعيتين، لكان من الأولى عدم تكليفه برئاسة جمعية الشبان.
ثم إنه إنْ كانت المشكلة هي الخوف من هذا الخلط الذي زعموه، فإنه كان يمكنهم تسميتها مثلاً باسم “جمعية الشباب الإسلامي”، أو “الجمعية الإسلامية للشباب” أو نحو ذلك، مما يُبقى على الصفة الإسلامية التي عُرفت بها تلك الجمعية منذ إنشائها. لكنَّ الحقيقة أن هناك طائفة كبيرة من أرباب المناصب في بلادنا بات هاجسهم الأول هو الخوف من الانتساب للإسلام، بحيث صارت عندهم حساسية من كلمة مسلم، أو مسلمين؛ حتى إني وقفت على تحقيقٍ نشرته جريدة الوطن بتاريخ 27/ 6/ 2019 حول هذا الموضوع، اعتبر محرره أن تغيير اسم جمعية الشبان المسلمين هو أول خطوة فى “نعش جمعيات الطائفية”. وقد تبارى المشاركون في ذلك التحقيق في الإشادة بهذا القرار؛ حتى طالب أحدُهم المسؤولين في الجمعية الشرعية، وجماعة أنصار السنة المحمدية، بأن يحذوا حذو جمعية الشبان، فيغيروا اسمي الجمعيتين احتراماً للدستور الذي ينبذ الطائفية، بحسب قول ذلك المتحدث. ونسي هؤلاء أو تناسوا أن هناك جمعية تسمى ” جمعية الشبان المسيحية “، ولم يطالبوها بتغيير اسمها، فهل الخوف من التسميات الطائفية خاص بالمسلمين دون غيرهم؟
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإنَّ هناك مجلة للأطفال، تصدرها وزارة الأوقاف المصرية، تسمى “الفردوس”، وكانت قديماً توزع كهدية مع مجلة “منبر الإسلام “، وكانوا يكتبون عليها: “الفردوس: مجلة الطفل المسلم”، لكني فوجئت منذ سنوات بأنهم صاروا يكتبون على غلافها: “مجلة كل الأطفال “، مع أنه من المعلوم أن كل مقالاتها موجهة إلى أطفال المسلمين. فماذا سيفيدكم إزالة ما يشير إلى انتمائكم الإسلامي؟ إإلى هذا الحد وصلت بكم المداهنة، والخوف من إظهار الاسم الذي اختاره الله تعالى لكم (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ..). [الحج: 78].. هدانا الله وإياكم سواء السبيل..
د. عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
25/ 10/ 1447هـ-13/ 4/ 2026م


