بحوث ودراسات

د. عبد الآخر حماد يكتب: شريعة الله حاكمة لا محكومة

تحت عنوان (شريعة الله حاكمة لا محكومة) كتب الشيخ محمد أبو زهرة مقالاً نُشر بمجلة لواء الإسلام عدد شوال 1370هـ -يوليو 1951م. وقد كتب رحمه الله ذلك المقال في الرد على مَن أباح فوائد البنوك ولم يعتبرها من الربا المحرم.

فكان هذا العنوان هو المدخل الذي ولج منه الشيخ أبو زهرة مبيناً أن من أخطر الدعوات التي رأيناها في عصرنا الاتجاه إلى «توطئة الشرع الشريف ليكون متفقاً مع عصرنا الحاضر؛ فلقد بَهرتْ منذ أواخر القرن الماضي المدنيةُ الأوربيةُ عقولَ بعض العلماء المخلصين، واستهوت مشاعرهم واستولت على ألبابهم فحسبوا أن مصلحة الإسلام أن تُقرَّبَ مبادئه من مبادئها، ويُستدنى من مقرراتها حاسبين أن أكثر ما فيها خير لا شر فيه، وأن كل نظمها الاجتماعية والاقتصادية والمالية قائمة على دعائم من الحق والعدل والقسطاس المستقيم». ثم ضرب رحمه الله مثلاً لذلك بما نص عليه قانون الوصية المصري من جواز الوصية للورثة – وهو النص الذي بينا في مقالات سابقة مخالفته لقول علماء أهل السن قاطبةً،بل مخالفته للنص النبوي الصريح: (لا وصية لوارث) -فقال رحمه الله: (ولقد وجدنا الذين يحاولون توطئ أكناف الشريعة يعملون، ويتم لهم عملهم فيحاربون المواريث الشرعية التي نص عليها القرآن وبذلك يسوغون الزيادة على ما فرض الله سبحانه ؛ فإذا كان الله قد أعطى للبنت النصف ومن غير زيادة،فقد سوغوا لأبيها أن يعطيها ثلثاً مع النصف،ويطفف نصيب غيرها ولا حول ولا قوة إلا بالله … وهكذا تقتطع الأحكام الشرعية قطعة قطعة،وما ذاك إلا لإرضاء ذوي الأهواء من غير نظر إلى الغاية السامية التي جاءت بها النصوص الشرعية…).

بعد ذلك بحوالي ثلاثين عاماً -وعلى نفس هذا النهج القويم – كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فصلاً في كتابه: (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) عنوانه: (بين النص والمصلحة). ناقش فيه ما يدعيه البعض من أن المصلحة قد تقتضي تنحية أحكام الشريعة الغراء والحكم بغيرها، معتلين بمثل ما يقال عن عمر رضي الله عنه من أنه منعَ سهمَ المؤلفة قلوبهم في الزكاة، أو أنه ألغى حد القطع في السرقة في عام الرمادة، وفي هذا يقول رحمه الله: ( جرت على الألسنة عبارة غامضة أن عمر بن الخطاب ألغى بعض النصوص، أو أوقف العمل بها على نحو ما، لأنه رأى المصلحة في ذلك!. وهذا كلام خطير، معناه أن النص السماوي قد يخالف المصلحة العامة، وأن البشر لهم -والحالة هذه- أن يخرجوا عليه، ويعدموه. وكلا المعنيين كاذب مرفوض، فلا يوجد نص إلهي ضد المصلحة،ولا يوجد بشر يملك إلغاء النص).

ثم تناول رحمه الله ما ورد عن عمر في ذلك مبيناً أنه رضي الله عنه لم يُعطِّل النصَ الشرعيَّ، وإنما فعل عمر ذلك لعدم توافر الشروط التي حددتها النصوص الشرعية لتطبيق ذلك الحكم .وبين أنه بالنسبة لسهم المؤلفة قلوبهم فإن عمر لم يُلغه، ولا يمكن لحاكم أن يُلغيه، ولكنه سهمٌ شرع في الأصل تألفاً لقلوب أقوام أو تجنباً لشرورهم، فإذا أعز الله الإسلام ولم نعد بحاجة لتألفهم فلا حاجة لإعطائهم.

وبنفس المنطق يرد رحمه الله على دعوى تعطيل عمر حد السرقة فيقول: ( إن الجائع الذي يسرق ليؤكل أولادَه لا قطع عليه عند جميع الفقهاء فما الذي عطله عمر؟. إن قطع يد السارق المعتدي الظلوم هو حكم الله إلى آخر الدهر، ولا يقدر عمر ولا غير عمر على وقف حكم الله ….والذي حدث أيام عمر أن المدينة وما حولها تعرضت لقحط عام … وليس بمستغرب أن يخرج الناس من بيوتهم يطلبون القوت من أي وجه، وقد يحملهم ذلك على الخطف أو السرقة، فهل تعالج تلك الأحوال بالسيف.

إن عمر درأ الحد بالشبهة -كما أمرت السنة الشريفة- ولا يعاب إذا توسع في هذا الدرء، وقدر آلام الجياع في تلك المحن المحتاجة.. وظاهرٌ أن مسلكه إجراء استثنائي تجاه ظرف استثنائي، وأنه نفذ الحد عندما وجب، ودرأه بالشبهة عندما لم يقم) .

فانظر أيها الأخ الكريم إلى هذا الكلام الرصين من هذين العالِميْن الجليلين، وقارنه بكلام من ابتلينا بهم ممن تصدروا المشهد هذه الأيام، الذين يدافعون عن الأوضاع الظالمة المخالفة لشرع الله عز وجل ملتمسين لها التبريرات والتعليلات.

ومن تلك التبريرات الواهية والتعليلات السخيفة، ما جاء في مقطع للمدعو «يسري جبر». وفيه يدَّعي أن الشريعة الإسلامية مطبقة في مصر، وأنه لا يَدَّعي أنها غير مطبقة إلا الإخوانُ والوهابيةُ.. ثم يزعم أن عدم تطبيق الحدود إنما هو بسبب فساد الزمان وعدم الاطمئنان إلى شهادة الشهود، فلذلك تُعتبر القوانين الوضعية نوعاً من العقوبات التعزيرية، انتقلنا إليها بسبب عدم إمكانية الحكم بالعقوبات الشرعية المحددة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهذا كلام في غاية الخطورة، وفيه اتهام لشريعة الله الكاملة بأنها قد انتهت صلاحيتها، فلم تعُد تناسب عصرنا وأحوالنا .وقد سبق لنا مناقشة هذه الدعوى،حينما صرح بمثلها المفتي الدكتور شوقي علام ؛حيث استدللنا بمثل ما ذكره الشيخان أبو زهرة والغزالي رحمهما الله من أن شريعة الله حاكمة فوق كل عرف وفوق كل قانون، وأن المصلحة الحقة هي في إقامة شريعة الله لا في تنحيتها واستبدال غيرها بها .

ثم نقول: إن التعزير كما تعرِّفه كتب الفقه هو التأديب على الجرائم التي لم تشرع فيها الحدود (أي لم يَرِد في عقوبتها نص شرعي). وهذا التعزير يُترَك تقديره للقاضي. ونحن حين نتكلم عن وجوب تحكيم شريعة الله تعالى، لا نتكلم عن مهمة القاضي الذي يُترك له تقدير التعزيرات فيما لا نص فيه . إنما كلامنا عن النص التشريعي الذي يجب أن يكون موافقاً لشريعة الله كما نزلت على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ينظر القاضي المؤهل شرعاً،في مسألة ثبوت التهمة من عدمه، كما ينظر في كون هذه الجريمة من جرائم الحدود،أو من جرائم التعزيرات، أو غير ذلك .

وفضيلة المفتي نفسه كثيراً ما يُصدِّق على أحكامٍ بالإعدام، ويذكر في حيثياته أن ذلك الحكم هو من باب القصاص، أو من باب حد الحرابة والإفساد في الأرض، فلِمَ لا يرفض التصديق على تلك الأحكام، مادام يرى أنه لا يُوثَق بشهادة الشهود، وأنه يجب الانتقال إلى التعزيرات؟.

ثم إنه إنْ صح أن يقال مثلُ هذا الكلام في شأن القوانين التي تُعاقب على بعض الجرائم بعقوبات مخالفة لما حددته الشريعة الغراء، فماذا أنتم قائلون في الأمور التي جرَّمها الشرع الحنيف، وأمر بالعقوبة عليها،ومع ذلك لا يعتبرها القانون الوضعي جريمة أصلاً؟.

فشرب الخمر مثلاً لا يعتبر في نظر القانون جريمةً إلا إذا ترتب عليه السُّكْر في مكان عام.

ومعنى ذلك أن من شرب الخمر ولم يسكر فلا عقوبة عليه . وكذا من سكر في بيته وليس في مكان عام لا عقوبة عليه، وذلك لأننا نعلم أن القاعدة عند أهل القانون أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فهذا حد شرعي لا أنتم أقمتموه، ولا أنتم  استبدلتم به شيئاً مما تسمونه تعزيرات .

وكذلك الحال في جريمة الزنا فإن قانون العقوبات المصري يخلو من نص يجرِّم الزنا إذا وقع بين غير متزوجَيْن،وكان برضا المزني بها،وقد جاوزت الثامنة عشرة.

وعليه فلا يعتبر ذلك جريمة، ولا عقوبة فيه لا بحد ولا بتعزير، مع أنه في حكم الشرع جريمة فيها حد شرعي.

وكذا إذا وقع الزنا من الزوج في غير منزل الزوجية فإنه ليس بجريمة ولا عقوبة عليه في قانون العقوبات المصري. كما أن الزنا إذا وقع من الزوجة برضا زوجها فإنه لا يعد جريمة يعاقَب عليها لأن المادة الثالثة والسبعين بعد المئتين من قانون العقوبات تنص على أنه : (لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناء على دعوى زوجها…) . فأين التعزيرات يا أصحاب دعوى التعزيرات؟!.

د. عبد الآخر حماد

18/ 1/ 1445هـ- 5/ 8/ 2023م

د. عبد الآخر حماد

عضو رابطة علماء المسلمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights