عن جابر بن عبد الله قال: (لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهاجِرةُ البحر قال: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ قال فتيةٌ منهم: بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قُلتُها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَر إذا وضع الله الكرسي وجَمعَ الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلَمُ أمري وأمرَك عندَه غداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدَقتْ صدَقتْ. كيف يُقدِّسُ اللهُ قوماً لا يُؤخَذُ لضعيفِهم مِن شديدِهم) [أخرجه ابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه].
وروى أبو القاسم الزجاجي المتوفي سنة 340هـ في كتابه الأمالي ص: 52 بسنده إلى يعقوب بن يوسف الكوفي عن أبيه قالَ: حججت ذات سنة، فإذا أنا برجل عند البيت وهو يقول: اللهم اغفر لي وما أراك تفعل، قال: فقلت: يا هذا، ما أعجب يأسَك من عفو اللَّه، قال: إنَّ لي ذنباً عظيماً، قال: فقلت: أخبرني، قالَ: كنت مع يحيى بْن مُحَمَّد بالمَوْصل (يحيى بن محمد هو أخو عبد الله السفاح أولِ خلفاء بني العباس، وكان السفاح قد أرسله إلى الموصل لتأديب أهلها لما خرجوا عن طاعته، فأسرف يحيى في قتلهم)، فأمَرَنا يومَ جمعة فاعترضْنا المسجد، فنُرى أنا قتلنا ثلاثين ألفاً. ثم نادى مناديه: من علَّق سوطه على دارٍ فالدار وما فيها له. فعلَّقتُ سوطي على دار ودخلتها، فإذا فيها رجل وامرأة وابنان لهما، فقدَّمْتُ الرجل فقتلته، ثم قلت للمرأة: هاتي ما عندك وإلا ألحقت ابنيك به! فجاءتني بسبعة دنانير ومُتَيَّع (تصغير متاع)، قَالَ: فقلت هاتي ما عندك، فقالت: ما عندي غيرُها. فقدَّمتُ أحدَ ابنيها فقتلته، ثم قلت: هاتي ما عندك، وإلا ألحقت الآخر به، فلما رأت الجِدَّ مني، قالت: ارفُق فإن عندي شيئاً كان أودعنيه أبوهما. فجائتني بدرع مُذْهبة لم أر مثلَها في حسنها، فجعلت أقلِّبها، فإذا عليها مكتوب بالذهب:
إذا جارَ الأميرُ وحاجباه *وقاضي الأرض أسرفَ في القضاء
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ * لقاضي الأرض من قاضي السماء
فسقط السيف من يدي، وارتعدتُ وخرجتُ من وجهي إلى حيث ترى).
قلت: ولعل سببَ يأس ذلك الرجلِ من مغفرة الله تعالى أنه يعلم أنَّ من شروط التوبة من مظالم العباد ردَّ تلك المظالم، أو عفوَ أهلها، والرجل يعلم أنه لا سبيل له إلى رد تلك المظالم، ولا استسماح أهلها، إلا أن يشاء ربُ العالمين أن يُرضي أولئك المظلومين يومَ القيامة بما شاء، فيعفوا عمن ظلمهم فيغفر الله له. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي -وهو مَنْ هو في ظلمه وبطشه وكثرة سفكه للدماء – أنه لما حضرته الوفاة كان يقول: (اللهم اغفر لي؛ فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل). وقال الأصمعي: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:
يا ربُ قد حلفَ الأعداءُ واجتهدوا بأنَّني رجلٌ من ساكني النَّارِ
أيحلفون على عمياءَ ويحهمُ ما عِلمُهُمْ بعظيم العفوِ غفَّارِ؟
قال فأُخبِر بذلك الحسن البصري فقال: (بالله إنْ نجا لينجونَّ بهما) أي بهذين البيتين.[البداية والنهاية: 9/ 144- 145].
فيا بؤسَ أقوامٍ درجوا على الظلم والفساد، ولم تردعهم نصيحة الناصحين، ولا وعظ الواعظين، إلى أن أتتهم مناياهم، وهم في غيهم سادرون؛ فلم يبلغوا حتى مبلغ الحجاج بن يوسف. فيا ويحهم، ثم يا ويحهم، يوم الموقف العظيم، بين يدي أحكم الحاكمين، (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم).
د. عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
21/ 8 / 1447هــ- 9/ 2/ 2026م


