مما حدث لبعض الأعيان ورؤوس الناس في رمضان المعظم:
تعيين فضيلة الشيخ جاد الحق مفتيًا لمصر المحروسة:
في رمضان المعظم، من سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وتسعين من الهجرة، الموافق أغسطس سنة ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين من الميلاد.
الشيخ جاد الحق بن علي جاد الحق، المصري، الدقهلي، البطراوي، عليه رحمات الله ورضوانه، هو الإمام الأكبر، شيخ الجامع الأزهر، المولود يوم الخميس، الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف، الموافق للخامس من إبريل عام سبعة عشر وتسعمائة وألف من الميلاد.
وهو الرجل الذي تلقت الأمة تعيينه أول الأمر بشيء من الفتور والانقباض؛ لكونها لم تكن تعرفه، ولم تشهد له من قبل مواقف لافتة مؤثرة، ثم كتب الله تعالى له القبول، وأرضى عنه عباده -ولا نزكيه على الله تبارك وتعالى- لما سجل من مواقف قوية حمى بها دينه وملته، وبلاده وهويته:
فقد أيد الجهاد الأفغاني –حين كان في إطاره الصحيح، قبل الاقتتال والتنازع الغبيين الآثمين- وكذا الجهاد في البوسنة والشيشان.
ووقف في وجوه المتطرفين العلمانيين، الذين تَخذوا من تطرف بعض الشباب ذريعة للهجوم على الإسلام، وضربِ أسسه، وتشويه معالمه.
وتصدى لأفكار هدم الأسرة والإساءة للمرأة، من خلال مؤتمراتٍ لقيطة، كمؤتمر السكان الذي عقد بالقاهرة المحروسة، كما رفض وثيقة مؤتمر المرأة من بكين.
وعارض التطبيع مع الصهيونيين، فأصدر فتوى بعدم جواز زيارة القدس إلا بعد تحريرها، ورفض استقبال الوفود الصهيونية التي حاولت زيارة الأزهر الشريف، وذاقت حلاوة الاختراق أيام خلفه
الذي غضبت عليه الأمة!
وقاوم الشيخ رحمه الله تعالى فكرة ملكة جمال النيل، التي أريد بها رد الأمة للهوية الفرعونية الوثنية، والتوسع في عرض اللحم البشري؛ كأنه مجال للمزايدة والاستباحة، كما توسع في إنشاء المعاهد الأزهرية حتى بلغت في عهده خمسة آلاف معهد..
هذا بجانب جهوده العلمية، وآرائه الفقهية التجديدية، التي أهلته ليكون جديرا بمنصبه، ولفتت أنظار العالم الإسلامي لمكانة الشيخ عليه رحمات الله ورضوانه:
– فكان أن منحته مصر أعلى وسام تمنحه (وشاح النيل) 1983، في العيد الألفي للأزهر!
– كما منحته المغرب وسام الكفاءة الفكرية والعلوم من الدرجة الممتازة!
– وكان تتويج التقدير الكبير للشيخ الكبير بنيله جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام سنة (1416هـ/1995م).
وله مواقف عظيمة نورد منها -كما أوردت إسلام ويب- أنه: كان أول من دعا لعقد مؤتمر إسلامي في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة لمناصرة شعب البوسنة والهرسك، وحضره عشرات الآلاف من المصلين، ودعا فيه إلى إقامة صلاة الغائب على شهداء المسلمين في البوسنة، وأعلن (رحمه الله) أن مسلمي البوسنة والهرسك لا يحتاجون إلى مجاهدين بقدر حاجتهم إلى المال والسلاح، ودعا المصلين والمسلمين في شتى بقاع العالم للتبرع بالمال في سبيل الله ومناصرة شعب البوسنة.
وكان لفضيلته موقف شجاع في مناصرة المجاهدين في الشيشان، وقدم لهم كل الدعم المالي والمعنوي، وعندما نشبت حرب الشيشان بين الروس والشعب الشيشاني أصدر فضيلته بيانا حول تلك الحرب، حيث أكد أنه لولا تمسك شعب الشيشان بإسلامهم ما حاربهم الدب الروسي.
وقد قدم الإمام الراحل العديد من المنح الدراسية المجانية لأبناء البلدان الإسلامية المستضعفة؛ حتى يعودوا لأوطانهم دعاة للإسلام، وذلك من خلال الدراسة في الأزهر الشريف.
وعندما قرر الكونجرس الأمريكي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أصدر الإمام الراحل بيانا صريحًا وواضحًا، أدان فيه العدوان الصهيوني المستمر على القدس، وأدان فيه القرار الأمريكي، وقال: (إن أمريكا تزعم أنها صديقة كل العرب، وهي أصدق في صداقتها بإسرائيل تؤيدها، وتدفعها لمزيد من العدوان على العرب وحقوقهم، وتساعدها في وضع العراقيل نحو إتمام عملية السلام التي تتظاهر بدعمها، لكنه دعم غير عادل؛ فهو دعم للمعتدين الظالمين، واستهانة وهدم لقرارات منظمة الأمم المتحدة.
وحرم الذهاب للقدس فقال في فتوى له: إن من يذهب إلى القدس من المسلمين آثم آثم! والأولى بالمسلمين أن ينأوا عن التوجه إلى القدس؛ حتى تتطهر من دنس المغتصبين اليهود، وتعود إلى أهلها مطمئنة، يرتفع فيها ذكر الله والنداء إلى الصلوات، وعلى كل مسلم أن يعمل بكل جهده من أجل تحرير القدس ومسجدها الأسير).
وكان للإمام الراحل موقف واضح وقوي من التطبيع؛ فقد رفض أن يستقبل الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان إبان زيارته للقاهرة، وبعد عقد اتفاقية أوسلو عام 1993، ما سبب حرجًا شديدًا للحكومة المصرية وللرئيس الصهيوني.
كما تصدي الإمام الراحل لقرار وزير التعليم المصري بمنع الحجاب في المدارس المصرية في المرحلة الابتدائية، وضرورة موافقة ولي أمر الطالبة في المرحلة الإعدادية والثانوية على ارتداء ابنته الحجاب، وأصدرت لجنة الفتوى بالأزهر برئاسة الإمام الراحل بيانًا أعلنت فيه أن القرار الوزاري يخالف الشريعة الإسلامية ونصوص الدستور..
واستند المحامون المصريون لهذه الفتوى عند التقاضي أمام المحاكم ضد وزير التعليم المصري؛ حتى تم إلغاء هذا القرار، وعاد الوزير إلى رشده بعد حكم القضاء بإلغاء هذا القرار.
مواجهته للرئيس حسني مبارك:
(هناك واقعة ظلت تُروي سرًّا بين جنبات الأزهر وشيوخه الكبار، تلك الواقعة التي حدثت بين شيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق وتعرفها أسرته تمامًا وبين الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك!
فقد أراد مبارك أن يستصدر فتوي من شيخ الأزهر بإباحة فوائد البنوك، وأن تصدر فتوي رسمية من الأزهر بذلك، وكان الأزهر يُحرمها تماما ويُفتي بأنها ربا صريح مائة في المائة، وهو الرأي الأرجح، فأوعز الاقتصاديون لمبارك أن الناس لا تضع أموالها بالبنوك بسبب فتوي الشيخ جاد الحق، فقال مبارك في أحد اجتماعاته مع بعض المشايخ ووزير الأوقاف موجهًا حديثه للشيخ جاد:
بقولك إيه يا مولانا، البنوك قربت تفلس والناس لا تضع أموالها بالبنوك! عايزين فتوي من فضيلتك تنقذ الاقتصاد المنهار وتحلل وضع الفلوس في البنوك؛ لأن الناس بتضع كل ثقتها في الأزهر ودي ضرورات برضه!
فما كان من شيخ الأزهر إلا أن انتفض واقفًا وقال لمبارك بغضب شديد:
ومن قال لك إني أحرم أو أُحلل؟! إن الذي يُحلل أو يُحرم هو الله ولن تتغير فتواي أبدًا أبدًا بتحريم فوائد البنوك!
فاحمر وجه مبارك خجلا وقال للشيخ جاد: يا مولانا ده أنا كنت بهزر!
فرد عليه الشيخ قائلا: هذا موضع لا مجال للهزل فيه!
وكان للشيخ رأي واضح في مقررات مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة في سبتمبر 1994م، فعارض دعوات الانحلال الأُسري والشذوذ، والخروج على الفطرة السليمة، وتعاون معه في رد تلك الدعاوى نفر من المخلصين، وكان لحضورهم هذا المؤتمر ودحضهم تلك الدعاوى أثره في إحباط ما كان يخطِّط له القائمون على المؤتمر!
واتصل بالرئيس مبارك وأخبره أن المؤتمر ضد شريعة الإسلام، فجعل مبارك موقف الدولة هو موقف الأزهر وأعلن أنه لن يقبل شيئا ضد الإسلام. وتكرَّر منه هذا الموقف الواضح في رفضه لوثيقة مؤتمر المرأة الذي تم عقده في بكين في سبتمبر 1995م .
وكان شيخنا الجليل يسكن في شقة متواضعة في المنيل، وكانت في الطابق الخامس، ولم يكن في العمارة مصعد (أسانسير) و كان فوق السبعين، لكنه رفض تغيير شقته حتى لا يكلف الدولة شيئا ويأخذ من مال المسلمين، كان رحمه الله عفيف النفس، زاهدًا في الدنيا، راضيًا بما قسم الله له، فلم يحاول أن يستغل نفوذه لجلب مصلحة شخصية، ولو حتى بناء بيت بسيط له ولأولاده، وكان لا يأخذ مالا على مؤلفاته بل جعلها لنفع المسلمين فقط وكان يرفض أخذ مكافآت وبدلات في مرتبه ويكتفي بمرتبه فقط، وظل الشيخ في شقته المتواضعة حتى لحق بربه، ضاربًا أروع الأمثال في الزهد الحقيقي، مجددًا سنة الزاهدين الأوائل! رحم الله الشيخ الجليل جاد الحق). الصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الأول/ فاروق مصر.
واسم جاد الحق اسم مركب من جزأين: جادَ -وهو فعل ماض- والحق هو الله تعالى، وهذه التسميات عادةٌ مصرية تُقصد للبركة والفأل، فهم يلصقون هذا الفعل كثيرًا باسم من أسمائه تعالى، فيقولون: جادَ الله، أو جادَ المولى، أو جاد الحق، أو جاد الكريم، أو جاد الرب، يعتبرون المولود شكلًا من أشكال جود الله تبارك وتعالى.
وقد تُوفِّي الإمام الأكبر جاد الحق علي جاد الحق بنوبة قلبية ألمَّت به!
ترك الدنيا (رحمه الله) ومشاكل الأمة في صدره، وأوراق الأزهر في يده يقلب فيها، ومات متوضئًا وهو يشرع لأداء الصلاة في الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الجمعة، حيث شعر بدوار مفاجئ، فجلس علي سريره ليستريح، ولكنه فارق الحياة بعد لحظات، وكانت وصيته أن يدفن بجوار مسجده الذي بناه في قريته بطرة، وأن يشهد غسله ويؤم صلاة الجنازة عليه الشيخ محمد متولي الشعراوي، وتم تنفيذ وصية الإمام الراحل، حيث صلى الجنازة عليه الشيخ الشعراوي، الذي نعاه بقوله: لقد تعلمنا منه ألا نعصرن الدين، بل نُدَيِّن العصر، فعصرنة الدين تعني أنه غير كامل حاشا لله.
وحين أصابته الأزمة احتاج إلى أسطوانة أكسيجين لم يجدها (!) -كما سمعت مباشرة من الدكتور عمارة في بيت العلامة القرضاوي بالدوحة- ليمضي فيه قدر الله تعالى يوم الجمعة، الموافق الخامس والعشرين من شوال عام ألف وأربعمائة وستة عشر من الهجرة الشريفة، الموافق للخامس عشر من مارس عام ستة وتسعين وتسعمائة وألف، عن عمر يناهز التاسعة والسبعين، فرحمه الله ورضي عنه.
وفي مسيرته الشرعية تبوأ المناصب الثلاث الكبرى: الإفتاء، ووزارة الأوقاف، ومشيخة الأزهر.
فعمل بعد التخرج في المحاكم الشرعية في سنة (1366 هـ/ 1946)، ثم عُيِّن أمينًا للفتوى بدار الإفتاء
المصرية في سنة 1373 هـ/ 1953، ثم عاد إلى المحاكم الشرعية قاضيًا في سنة 1374 هـ/ 1954، ثم انتقل إلى المحاكم المدنية سنة (1376 هـ/ 1956 بعد إلغاء القضاء الشرعي، وظلَّ يعمل بالقضاء، ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف في سنة 1396 هـ/ 1976.
ومن اللطائف أنه في فترة عمله بالقضاء كان الحاجب الخاص به هو والد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. وهو الذي ساعده في إلحاق ابنه في الكلية الحربية، ولم ينكر ذلك الرئيسُ الأسبقُ، فكان يحترم ويوقّر فضيلَة الشيخ لدرجة كبيرة.
ثم عُيِّن فضيلته مفتيًا للديار المصرية في رمضان 1398 هـ/ أغسطس 1978 فعمل على تنشيط الدار، والمحافظة على تراثها الفقهي، وحرص على اختيار الفتاوى ذات المبادئ الفقهية، وجمعها من سجلات دار الإفتاء المصرية، ونشرها في مجلدات بلغت عشرين مجلدًا، وهي ثروة فقهية ثمينة؛ لأنها تمثل القضايا المعاصرة التي تشغل بال الأمة في فترة معينة من تاريخها، وفي الوقت نفسه تستند إلى المصادر والأصول التي تستمد منها الأحكام الشرعية. كما اختير عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية سنة 1980.
وشملت اختيارات الفتاوى ما صدر عن دار الإفتاء في الفترة من سنة 1313 هـ/ 1895 حتى سنة 1403 هـ/ 1982، وضمت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر من سلسلة الفتاوى اختيارات من أحكامه وفتاواه، وتبلغ نحو 1328 فتوى في الفترة التي قضاها مفتيًا للديار المصرية.
ثم عُيّن وزيرًا للأوقاف في ربيع الأول 1402 هـ/ يناير 1982، وظلَّ به شهورًا قليلة
اختير بعدها شيخًا للجامع الأزهر في 13 جمادى الأولى 1402 هـ/ 17 مارس 1982.
وفي سبتمبر عام 1988 تمَّ اختياره رئيسًا للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة.
شهد الأزهر الشريف في عهده نهضة كبيرة، فقد انتشرت المعاهد الأزهرية في كل قرى ومدن مصر، كما لم تنتشر من قبل، إذ بلغ عددها في عهده أكثر من ستة آلاف معهد.
ولم يقف جهده على نشر المعاهد الأزهرية في مصر، بل حرص على نشرها في شتى بقاع العالم الإسلامي، فأنشأ معاهد أزهرية تخضع لإشراف الأزهر في تنزانيا وكينيا والصومال وجنوب إفريقيا
وتشاد ونيجيريا والمالديف وجزر القمر وغيرها من البلدان الإسلامية.
كما فتح باب الأزهر واسعًا أمام الطلاب الوافدين من الوطن الإسلامي وخارجه، وزاد من المنح الدراسية لهم حتى يعودوا لأوطانهم دعاة للإسلام.
ونجح في فتح فروع لجامعة الأزهر في جميع أنحاء مصر وعقدت الجامعة في عهده لأول مرة مؤتمرات دولية في قضايا طبية وزراعية وثقافية مهمة تحدد رأي الأزهر والإسلام فيها.
وكان آخر قراراته لنهضة الأزهر وإبراز دوره في نشر رسالة الإسلام هو إقامة مدرسة مسائية للرجال والنساء على شكل مركز مفتوح للدراسات الإسلامية بالأزهر الشريف؛ لنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة، ولتوضيح حقائق الدين السمحة البعيدة عن التعصب والجهل، والداعية للحب والسلام، ويتم فيها تدريس جميع فروع العلوم الإسلامية.
مع نهاية حقبة الخمسينيات استأجر الشيخ جاد الحق شقة في حي المنيل بالقاهرة وتقع في الدور الرابع متواضعة الأثاث بها مكتب عبارة عن منضدة قديمة أكل الزمان منها وشرب ولم يغيرها الإمام طوال 40 سنة، وفوقها صاغ الإمام الأكبر كل ما صدر عن الأزهر من بيانات للمسلمين بضرورة توحيد الجهود والصفوف، ومن فوقها صدرت أعظم فتاوى، وأقوى حوارات سياسية.
ورغم كثرة المناصب التي تولاها إلا أنها لم تغير فيه شيئًا لا في طباعه ولا في تعاملاته مع الناس، ولم تختلف حالته المالية في أيامه الأخيرة عن تلك التي كانت في بداية حياته العملية، ففي كلتا الحالتين كان موظفًا يتقاضى راتبه من الدولة، دون مكافآت أو حوافز، كما لم يكن يحصل على أية أموال تأتيه مقابل أبحاثه وكتبه القيمة فقد كان يجعلها في سبيل الله.
ومن مؤلفات فضيلته:
الفقه الإسلامي مرونته وتطوره/ بحوث فتاوى إسلامية في قضايا معاصرة/ أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل طبية عن الأمراض النسائية، رسالة في الاجتهاد وشروطه/ رسالة في القضاء في الإسلام/ مع القرآن الكريم/ النبي ﷺ في القرآن/ الدعوة إلى الله/ ونفس وما سواها.


