أحيانًا يسبب سوء الفهم مضحكات مبكيات؛ فقد تقول حضرتك كلمة، فيتلقاها مَن أمامك على غير مرادك، ويفهمها على غير قصدك، فيكفهر وجهه، ويشتعل غضبًا -ربما- وربما سبك، أو هجم عليك وضربك، وربما قاطعك إن كنت صديقًا، وربما ظنك كفرت أو هرطقت، وآفته من الفهم السقيم، كما قال عمنا أبو الطيب الله يرحمه.
ذات يوم جمعة، خطبت، وختمت صلاتي، وخرجت إلى سيارتي لأتلقى مباشرة اتصالًا هاتفيًّا مباغتًا ساخنًا حرّاقًا دفاقًا سلّاقًا بذيئًا دنيئًا رديئًا، من شخص لا أعرفه، بدأه بسيلٍ من الشتائم والإهانات لي واللي خلفوني، رحمهم الله ورضي عنهم، ووصفني مشكورًا بأنني شيخ سافل حقير، بلا خلق ولا ضمير، ولا أدب، ولا ذوق، ولا (أي حاجة حلوة)!
وكان ربي تعالى قد أنعم عليّ لحظتها بهدوء شديد، فسألته: حلمك عليَّ أخي.. خيرًا؟!
فقال بنرفزة شديدة: مش تنكسف على دمك؟ طول الخطبة، من أولها لآخرها، قاعد تشتمني، وتقل أدبك، خليت الخطبة كلها عني؟ الله ينتقم من اللي طلّعك المنبر! انت
خطيب فاشل، وراجل جاهل، وضلالي وامبليالي، وقليل الأدب!
– فقلت بهدوء: عفوًا أخي.. هل صليت معي أنا؟ متأكد؟
– هانستهبِل؟ طبعًا! في جامع أبو بكر الصديق! ويا ريتني ما صليت!
– آسف جدًّا؛ أين كنت تجلس؟
– أمامك في الصف الأول، وكنت تنظر لي، وتتكلم عني طول الوقت؟
– ماذا كنت تلبس؟ ما لون ثيابك؟
– بنطلون أسود، وقميص كاروهات أحمر في أسود!
– كيف كان شعرك؟ طويل؟ قصير؟ أصلع؟
– لأ شعري عادي خالص!
– هل كنت ظاهرًا لي، أم يحجبك عني شيء؟
ثم انتبه الرجل لأنني أسأله سؤال من لا يعرفه، ولا يحدده، وأنني لم أعنِه بكلامي، ولم أوجه له أي اتهام ولا قصدته بكلمة، وأن موضوعي كان للمصلين كلهم فسألني بانزعاج:
– يعني إيه؟ انتا ما كنتش تقصدني؟ مش بتتكلم عني؟
– لا والله يا بني، ولا أعرف من أنت، والله يسألني عن ذلك!
ثم مَن هذا الخطيب الغبي الذي يخصص خطبة جمعة، يحضرها هذا الحشد الكبير، ليسب فيها شخصًا جالسًا أمامه؟ هل سيكون داعيًا، أم سبابًا، أو بلطجي منابر؟ وهل هذا من دين الله، أو من فقه الدعوة؟ أستغفر الله يا بني أن أكون قد فعلت هذا، وأعتذر إليك جدًّا عن سوء توصيلي!
وكما بدأ وصلة السباب، ذاب الرجل خجلًا، واضطرب، وبدأ وصلة اعتذار وندمٍ على انفعاله وتسرعه و(قلة أدبه)!
فقلت: ما حصلش حاجة، انس الأمر، فإنني لا أعرفك حقا، ووالله لو لقيتني بعد
دقيقة وسلمت عليَّ فلن أعرف أنك أنت! أنا أخوك؛ فلا تبتئس!
أقول: ربما أُتي المرء في هذا الباب من تسرعه، أو تشتت انتباهه، أو قلة علمه، أو ضعف عقله، أو من ذنب أتاه، أو فَعلة فعلها، فهو يظن أن العيون تنظر إليه، وأن أمره انكشف! فهو مُريب، يكاد يقول للناس، بتلفته، أو ارتباكه: أنا الجاني!
وفي هذا جرى المثل: يكاد المريب يقول خذوني! وهو شطر من بيت للشاعر ابن سهل الأندلسي، في قصيدته: بأبي جفون معذبي وجفوني، التي يقول فيها:
بِأَبي جُفونَ مُعَذِّبي.. وَجُفوني ***** فَهِيَ الَّتي جَلَبَت إِلَيَّ مَنوني
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ جَفني قَبلَها ***** يَقتادُني مِن نَظرَةٍ لِفُتونِ
يا قاتَلَ اللَهُ العُيونَ؛ لِأَنَّها ***** حَكَمَت عَلَينا بِالهَوى وَالهونِ
وَلَقَد كَتَمتُ الحُبَّ بَينَ جَوانِحي ***** حَتّى تَكَلَّمَ في دُموعِ شُؤوني
هَيهاتَ: لا تَخفى عَلاماتُ الهَوى ***** كادَ المُريبُ بِأَن يَقولَ خُذوني
يُضرب لمرتكب الخطأ الذي أوشك من شكّه بنفسه، ومن كثرة خوفه أن يَفضح حاله، فيشير إلى ما يخفيه بفلتات لسانه، أو بارتباكه وطَيشانه!
وفي هذا الباب تروى طرائف جمة!
ورد أن عنزًا أكلت أصل كتاب لأحد الأدباء، عن حرية الفكر، فكتب أخونا مقالًا ساخرًا، يتهم فيه الماعز بمحاربة الحرية، ومصادمة الفكر!
وفي اليوم التالي اشتكاه عشرة أشخاص، كل واحدٍ منهم يعتقد أنه يقصده!
ويحكون أن الكاتب الأميركي الساخر، صمويل لانجهورن كليمنس، الشهير بمارك توين، وفي مقلب محسوب، أرسل برقية لعدد من أصدقائه المعروفين في أمريكا مداعبًا: اهرب فورًا؛ فلقد اكتشفوا أمرنا!
وفي صباح اليوم التالي، كانوا كلهم قد غادروا المدينة!
I once sent a dozen of my friends a telegram saying:
– flee at once, all is discovered.
They all left town immediately!
الترجمة:
أرسلتُ ذات مرة برقية إلى اثني عشر من أصدقائي أقول فيها:
– اهربوا فوراً، فقد انكشف أمركم.
فغادروا المدينة جميعاً على الفور!
وفي هذا الباب تدخل الجملة الكنائية الشهيرة: (اللي على راسه ريشة)!
وأصلها أن دجاجة سُرقت من قروي، فذهب الرجل إلى حضرة سيادة جناب فخامة عمدة القرية ليبلغ عن السرقة، متحسرًا مستعبرًا ومعبرًا عن اعتزازه الشديد بهذه الدجاجة السمينة البيّاضة!
جمع العمدة سكان القرية وقال: دجاجة فلان سرقت يا نفر انت وهوّا! وأنا عارف اللي سرقها كويس، ولازم يرجعها بالراحة كدِه، فلا أريد أن أفضحه، وأشير إليه بالاسم!
سكت الناس كلهم! فأعاد، هايجيبها بالراحة والا أقول اسمه؟
فبادره أحد الموجودين: انتا عارفه يا عمده؟
– نعم، هو يجلس معنا الآن؟
– طب ما تقول يا عمدة وتْخلَّصنا! مين هوّا؟
– النبيه اللي فضح نفسه بغباؤه! اللي على رأسه ريشة! اللي نسي ينضف راسه قبل ما ييجي! يقصد أنه حين كان يسرق الفرخة، طارت ريشة منها على رأسه!
وبعفوية، ودون أن يشعر تحسس حرامي الفرخة رأسه، فانكشف أمره!
وعن تلقي الكلمة خطأ، على غير ما هي له، تروي بعض كتب التاريخ أن سيدي سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، أثناء قتال المرتدين، قال لجنوده: دفِّئوا أسراكم (لأن الليلة كانت باردة) وكان أولاء الأسرى قد تابوا وعادوا من الردة بعد الأسر! وكان حرسهم من بني كنانة، وتدفئة الأسرى في لهجتهم معناها القتل، فقتلوهم جميعًا!
فلما سمع سيدي خالد الصراخ خرج من خيمته، ولكن بعد فوات الأمر، فقال متأسفًا:
إذا أراد الله أمرًا أصابه. وكان أن دفع الصديق رضي الله عنه دية من قُتل!
وقرأت أن هنديًّا كان بالمسجد ينتظر الصلاة، فدخل ضابط شرطة، وجلس جنبه وسأله: كم بقي على الإقامة؟
فقال الهندي: شهران!
وقيل إن الضابط أعاد صلاته ثلاث مرات من الضحك!
ومما يشبه ذلك حكاية عن شيخ يخطب في مسجد، وكان أغلب الحاضرين) شيبان (واستشهد الشيخ في خطبته بحديث فيه:) لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبلَكم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتى لو دخَلوا جُحرَ ضَبٍّ لدخَلتُموه) وقال: أخرجه الطبراني.
– فسأله واحد من الحاضرين: الطبراني أخرج الضب؟!
– قال الشيخ: لا! أخرج الحديث.
– سأله الثاني: من جحر الضب؟!
– قال الشيخ: لا يا ابن الحلال؛ أخرجه يعني رواه!
– سأله الثالث: والضب ويش حصل له؟!
– قال الشيخ: الضب استعارةٌ فقط يا جماعة الخير.
– فسأله رابع: يعني الضب ليس للطبراني؟!
– قال الشيخ: لا يا أخي، الطبراني ما عنده ضب!
– سأله خامس: طيب الطبراني مِمّن استعار الضب؟
– قال الشيخ: الله يأخذني، إذا خطبت فيكم مرة ثانية!
– فقال سادس: لماذا تريد أن تخطب، وأنت قلت لنا: إنك متزوج يا شيخ؟!
– قام الشيخ، وخرج تاركًا المسجد ثمّ حلق لحيته، وهجر القرية كلها، وراح يشتغل في محل فول وطعمية في القرية المجاورة!
– بعد مدة مر به واحد من القرية الأولى وقال له: أتعرف، لو تربي لحيتك، لأشبهت خطيبا كان عندنا في المسجد؟
– سأله الشيخ: وما اسمه؟
– فرد الرجل عليه قائلًا: والله لا أتذكّر اسمه، لكنني أذكر أنه كان يربّي عنده ضب، وأعاره للطبراني!
– وصادف أن أحد كبار السن من أهل البادية صلى في مسجد الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى -وهو لا يعرفه- وعندما كان الشيخ في صلاة جهرية نسي أثناء القراءة إحدى الآيات، فذكره بها أكثر من شخص خلفه، وعندما انتهى الشيخ من الصلاة أشار للحاضرين أن التذكير لا يكون بهذا الشكل الجماعي، وأن واحدًا يكفي عن البقية، فقال الشيخ البدوي:
– إلا المفروض أن الشايب اللي مثلك وما يعرف يقرا، يصف ورا، ويخلي الصلاة لأهلها!
– ومن ألطف ما حصل له في مكة حين ركب (تاكسي)، بعد أن خرج من الحرم، والظاهر أن المشوار كان طويلًا، فأراد سائق التاكسي أن (يسولف) ووجه سؤالًا للراكب الذي لا يعرفه:
– ما تعرَّفنا على الاسم الكريم يا شيخ!
– فرد الشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين!
– فرد السائق المشاكس الذي ظن أنه يكذب:
– هلا يا عمي، تشرفنا، معك عبد العزيز بن باز!
– فابتسم الشيخ، وقال له: ابن باز أعمى؛ كيف يسوق التاكسي؟
– فرد السائق (بلماضة): وابن عثيمين في نجد، وش اللي يجيبه هنا؛ تمزح معي أنت؟!
هنا ضحك الشيخ، وأفهمه أنه بالفعل ابن عثيمين، ليقع السائق في حرج بالغ بعد أن تبين له الحق!
وأذكر أننا حين كنا في السنة الرابعة من المرحلة الإعدادية في الأزهر، وفي امتحان
الإنشاء (كنا نمتحن في النحو والصرف والإنشاء والخط؛ كل منها مادة مستقلة بدرجتها، وفيها نجاح ورسوب) وجاءنا موضوع الإنشاء عن الربا وعواقبه، فقرأها زميل لنا: الزنا، لا أدري كيف! وكتب موضوعه في الزنا وعواقبه، فنال صفرًا من أربعين، وأعاد العام الدراسي كله بسبب الإنشاء!
إييييه! أيام!
وعن التورط وعواقبه، بسبب كلمة يلقيها داهية، يحكون أن والي دمشق أسعد باشا العظم، أمير موكب الحج الشامي: (1701-1757) الذي تربع على كرسي الحكم في ولايات سورية سنين متعددة، وفي أوقات متفاوتة من القرن الثامن عشر، وانتشرت آثاره العمرانية من شمال سوريا حتى الحجاز! يحكون أنه كان بحاجة للمال لنقص حاد في خزينة الولاية، فاقترحت عليه حاشيته فرض ضريبة على صناع النسيج والمسيحيين، فسألهم الباشا:
– وكم سنجمع؛ لو فرضنا الضريبة؟
– من 50 إلى 60 كيس ذهب.
– إنهم أناس فقراء، محدودو الدخل، فمن أين سيأتون بهذا المال؟
– يبيعون ذهب نسائهم يا مولانا!
– لا، حرام، دعوها لي، وسأجمع المبلغ المطلوب بطريقة أفضل وأسهل؟!
في اليوم التالي، طلب الوالي الوزير لمقابلته مساء وبشكل سري، وعندما وصل، قال له أسعد باشا: نما إلى علمنا أنك؛ ومنذ زمن طويل، تسلك في بيتك سلوكًا غير قويم، تشرب الخمر، وتخالف الشريعة، وسوف أبلغ إسلامبول! ولكن ارتأيت أن أبلغك أولًا، حتى لا تكون لك حجة علي!
فأخذ الوزير المفجوع بما يسمع يتوسل، ويحاول رشوة الوالي بالمال، لكي يطوي الموضوع، فعرض ألف قطعة نقدية، فرفضها، فضاعف الوزير المبلغ، والوالي يرفض، حتى تم الاتفاق على أن يعطيه ستة آلاف قطعة!
وفي اليوم التالي كرر العملية مع القاضي، الذي قال له إنه يقبل الرشوة، ويستغل منصبه لمصالحه الخاصة، ويخون الثقة الممنوحة له؟!
فأخذ القاضي يناشد الباشا، ويعرض دفع غرامة (كما فعل الوزير)، إلى أن وصل معه لدفع ستة آلاف قطعة، أطلقه فدفعها القاضي، وفر سريعًا وهو لا يصدق النجاة!
بعدها جاء دور المحتسب، والآغا، والنقيب، وشيخ التجار، وكبار التجار والوجهاء!
بعدها جمع الباشا حاشيته الذين أشاروا بفرض ضريبة جديدة على محدودي الدخل ليجمع خمسين كيسًا، وسألهم:
– هل سمعتم أن أسعد باشا قد فرض ضريبة جديدة في الشام؟
– فقالوا: لا ما سمعنا!
– فقال: لقد جمعت مائتي كيس، بدل الخمسين التي كنت سأجمعها بطريقتكم!
– وكيف فعلت هذا يا مولانا؟!
– فأجاب: إن جزَّ صوف الكباش، خير من سلخ جلود الحملان.
ومن أطرف ما جاء في سوء الفهم، وسوء الجواب (وسامحوني على التساهل وقلة الأدب) ما يحكونه من أن خوري (قسيسًا) كان يربّي ديكًا ودجاجة وحمامة، وكان يُحبّها ويُطعمها ويعنى بها! وفي أحد الأيام،
وبس


