كان هدف الإسلام الرئيس: صياغة مجتمع أخلاقي يتسم أفراده بقيم عالية في السلوك والتعامل.
ومن أجل تحقيق ذلك وضع الإسلام منظومة من الآداب والقيم تنبني عليها شخصية الفرد المسلم وتحكم علاقاته مع الآخرين.
فالمسلم مطالب بأن يحسن معاملته في كل شيء بدءا بمعاملته مع الله، وانتهاء بمعاملته مع الناس.
أحاديثه صلى الله عليه وسلم تقرر أن أقرب الناس منزلة منه: أحاسنكم أخلاقا. ” إن مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا ، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ؟ قالَ: المتَكَبِّرونَ” الترمذي.
أحاديثه صلى الله عليه وسلم تقرر أن الدين: حسن الخلق. “يا رسولَ اللَّهِ ما خيرُ ما أعطِيَ العبدُ؟ قالَ خُلُقٌ حسنٌ” الترمذي.
إن الإسلام لا يحتاج إلى فصاحة لسان وقوة بيان بقدر ما يحتاج قدوة عملية تثبت أن هذا الدين كامل من كل جوانبه.
فالانفصام بين القول والعمل، وبين العقيدة والشريعة، بين الإيمان والأخلاق، بين إسلام العبادة وإسلام المعاملة، أضاع الدين والدنيا معا.
للأسف الشديد فإن هذا الانفصام يعيشه أغلب المنتسبين إلى هذا الدين إلا من رحم ربك.
ولذلك أقول للبعض ممن ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا، وكانوا عامل هدم لا عامل بناء.
أقول لهم: قبل أن تُطلق لحيتك، قَصِّر يدك عن أموال الناس وحقوقهم.
وقبل أن تُنظف أسنانك بالسواك ،تذكر أنه حرام أن تشحذها لتلوك لحوم الناس بها، وتأكل في عِرضها ليل نهار بالغيبة والنميمة، والحديث فى أعراض الناس بالباطل.
وقبل أن تُصلي صلاة الضحى وتتباهي بها أمام الموظفين، اعدل بين الرعية في عملك، وطهِّرْ قلبكَ، وافرحْ بنجاحِ غيركَ كأنه نجاح لك، وصفِّقْ للفائزين كأنكَ تُصفِّق لنفسكَ، واسْعَدْ بصفقة التاجر كأنها صفقتكَ، وبوظيفة جارك كأنها وظيفتك، فالنظر إلى ما في أيدي الناس سهم مسموم، يُصيبك في قلبكَ قبل أن يُصيبَ الناس.
الدين قبل أن يكون مظهرا فهو جوهر، كلاهما مهم لا شك في ذلك، ولكن ما أقبح مظهر الدين على قلب فاجر، وما أحلى القلب النقي وإن لم يكن عليه شيء من مظهر الدين.
الشيخ الغزالي أتاه شاب يسأل مراراً عن ماذا يفعل بإصبعه السبابة بعد التشهد، فما كان من الشيخ إلا أن قال له: اقطعه. والحقيقة أن الشيخ لم يكن يستهزئ بالسائل، ولكن بالسؤال، ويقدم علاجاً حقيقياً للسطحية والاختزال التي وقع فيها حتى أصبح محتاراً ماذا يفعل بإصبعه التي رفعها للتشهد بعد الانتهاء منه وكأنها قضية إيمان أو كفر..
مولانا الغزالي – رحمه الله – سبق أن قال: المسلمون الآن مصابون بتديّن الشكل، لا تديّن الموضوع، والدين عندما يتحوّل إلى طقوس ومراسم يفقد قيمته، لأن الدين قبل كل شيء قلب حي، وضمير يقظ، وسريرة نظيفة.
الدين خلق، فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الدين، ونحن إلى قليل من الأدب، أحوج منا إلى كثير من العلم.
قال لقمان لابنه: يا بني: احذر واحدة هي أهل للحذر: إياك أن تُرِى الناس أنك تخاف الله وقلبك فاجر.
وما أجمل أن يكون المسلم سارقا للقلوب بأخلاقه الرفيعة، ومعاملته الحسنة ولسانه العفّ، وطيبته وتواضعه، وصِدقه مع الناس ، فسارق القلوب – كما قالوا – لا تُقطع يدُه.
اللهم كما حسنت خُلقنا فحسن أخلاقنا،
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيّئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم آمين يا رب العالمين