حين نتحدث عن أسباب الأخطاء، فإن أذهاننا تذهب مباشرة إلى الرذائل: الكذب، الأنانية، الطمع، الظلم…
لكن الحياة تعلمنا درسًا آخر:
بعض الأخطاء الكبيرة لا تأتي من الرذائل، وإنما من الفضائل حين تفقد توازنها.
فالثقة فضيلة.
لكن الثقة الزائدة قد تجعل الإنسان يطمئن إلى من لا يستحق الاطمئنان.
والطيبة فضيلة.
لكن الطيبة غير المنضبطة قد تجعل صاحبها فريسة للاستغلال والخداع.
والكرم فضيلة.
لكن الكرم إذا تجاوز حدوده قد يوقع صاحبه في الديون والعجز عن الوفاء بالتزاماته.
والحماس فضيلة.
لكن الحماس غير الواعي قد يدفع إلى قرارات متسرعة يندم عليها الإنسان طويلًا.
ولهذا فإن المشكلة ليست دائمًا في وجود الصفة، بل في مقدارها وكيفية توجيهها.
إن الفضائل مثل الدواء.
الجرعة المناسبة تنفع.
أما الجرعة الزائدة فقد تضر.
ومن علامات النضج أن يدرك الإنسان أن الحياة لا تقوم على امتلاك الصفات الحسنة فقط، بل على حسن إدارتها أيضًا.
فليس المطلوب أن نتوقف عن الثقة، وإنما أن نحسن اختيار من نثق بهم.
وليس المطلوب أن نتخلى عن الطيبة، وإنما أن نجمع بينها وبين البصيرة.
وليس المطلوب أن نقتل الحماس، وإنما أن نصحبه بالحكمة والتروي.
كثير من الناس يظنون أن الخير لا يحتاج إلى ضوابط.
لكن الحقيقة أن كل فضيلة تحتاج إلى ميزان.
ومن أجمل ما يكتسبه الإنسان مع العمر أنه يتعلم أن الحكمة ليست في الإكثار من الصفات الحسنة، بل في وضع كل صفة في مكانها المناسب.


