منذ 25 عامًا تقريبًا عندما فكرتُ في اختيار موضوع لأطروحة الدكتوراه في العلاقات الدولية، كنت مهتمًا بالسياسة الأميركية بشكل أساسي.
ومن خلال هذا الاهتمام وجدتُ أن هناك بُعد شبه غائب في الدراسات الأكاديمية العربية حول السياسات الأميركية، وهو البعد الديني.
فقررتُ أن يكون عنوان الأطروحة “البعد الديني في السياسة الأميركية تجاه المملكة العربية السعودية”.
وافترضتُ جدلًا أنه طالما هناك بعد ديني في السياسة الأميركية تجاه مصر، وتجاه السودان، وتجاه تركيا، وتجاه إيران، …
فمن باب أولى أن يكون هناك بُعد ديني في السياسة الأميركية تجاه السعودية.
لأن السعودية بها الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين في العالم، ومكانتها الدينية محل اهتمام وتأثير، ومصدر للشرعية في السياستين الداخلية والخارجية للمملكة.
أعددتُ المشروع، وتقدمتُ به للجنة العلمية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، المعنية بمناقشة المشروعات البحثية.
كان السائد في الدراسات الأكاديمية حول العلاقات السعودية الأميركية وقتها، هو التركيز على ثنائية الأمن مقابل النفط
لذلك أثناء مناقشة المشروع.
خرج أحد أعضاء اللجنة وقال المشروع مرفوض، لأنه لا يوجد بعد ديني في السياسة الأميركية تجاه السعودية، وأضاف: أميركا توفر الأمن والسعودية توفر النفط وفقط.
قلتُ نصًا يومها: هذه فرضية علمية، أنا أفترض أن هناك بعدًا دينيًا في علاقات الدولتين، والدراسة إما إن تُثبِت صحة الفرضية أو تُنفيها.
فقال: يعني تقضي 4 سنوات أو 5 سنوات حتى تقول إن الفرضية غير سليمة.
قلت: هذا أساس البحث العلمي
المهم، تمسك بموقفه، وأنا أصررت على المشروع، وتم اعتماده بموافقة 2 من أعضاء اللجنة ورفض العضو الثالث.
وتمت الدراسة، وتمت مناقشتها، وأكدتْ على أن البعد الديني في السياسة الأميركية تجاه المملكة العربية السعودية، لا يقل أهمية عن الأبعاد الأخرى، وأنه يجب أن تكون هناك عشرات الدراسات العلمية المعمقة، حول هذا البعد.
تذكرتُ هذا اليوم، عندما رصدتُ الإشارات الدينية في اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.
فالأمر يحتاج إلى دراسة علمية متخصصة حول البعد الديني في هذه الاتفاقية، وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر على مساراتها المستقبلية، وكذلك موقع البعد الديني في السياسة الأميركية تجاه هذه الاتفاقية.


