الشعورُ بالنقصِ والدُّونيةِ قاتلٌ في كل حال..
وأقتلُ أحواله أن تشعر بالنقص أمام ناقص، وبالدُّونيةِ أمام دُوْن!!
تبدو (عُقدةُ الخواجة) التي أُصيبَ بها العلمانيون العرب أقربَ معقوليةً وأكثرَ تفهماً مِن (عُقدة المُلَّا) التي أُصِيبَ بها الإسلاميون المتأيرنون!!
عقدة الخواجة كان لها ما يُسَوِّغُها في الواقع؛ فقد نتجت عن انسحاقٍ نفسيٍ أمام حضارةٍ حقيقيةٍ غالبة، أثبتت جدارتها قوةً ومعرفةً وتقانةً- على مدار أكثر من ثلاثة قرون- بما لم يدع مجالاً لأصحاب النفوس الهشة مِن السقوط فيما سماه ابنُ خلدون (وَلَعُ المغلوبِ بتقليد الغالب)، أو ما سماه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).. وبقليلٍ مِن الواقعية؛ تستطيع اتخاذ بعضِ العذر لهؤلاء المرضى المنبهرين بالغرب؛ لمعقولية أسباب المرض ومنطقية دواعي الانبهار..
أما (عقدة المُلَّا) التي أصيب بها مَن يزعمون أنهم أصحابُ نفوسٍ ممتلئةٍ بالعقيدة، أو جنودُ (معركة الوعي)، أو طليعةُ (أستاذية العالم)؛ فإنَّ العقل ليقف عاجزاً عن إيجاد مُسوغٍ منطقي لها، أو تفسيرٍ معقولٍ لأسبابها.. ومع بعض التجوز؛ يمكن للمهمومين بتشخيص الأمراض النفسية والبحث عن أسبابها أن يجدوا تفسيراً لها- يحمل بعضَ المنطق- فيما سُمِّىَ (متلازمة ستوكهولم)؛ تلك التي يتعاطف فيها المخطوف مع خاطفه المجرم، وتنمو في نفسه- تباعاً- مشاعرُ الإعجاب به والولاء له؛ فَيُسوِّغٌ جرائمَه، ويتحالف معه ضد منقذيه منه..
وعلى الرغم من هذا التجوز؛ تظل عقدة المُلَّا هذه عقدةً غرائبية يَعجزُ العقلُ والمنطقُ عن قبولها قبولاً كاملاً (دِيناً ودُنيا)..
فإنْ كان بَهَرَ الإسلاميين في الملالي أنهم نجحوا فيما فشلوا هم فيه؛ فأنشؤوا دولةً وحافظوا عليها؛ فما أنشؤوها واللهِ بأنفسهم؛ وإنما سُلِّمْت لهم كما سُلِّمت لأمثالهم الدولُ في المنطقة.. وإنْ كانوا حافظوا عليها فما حافظوا عليها إلا كحفاظ (صدام) على دولته؛ بُسِطَ له الحبلُ على اتساعه ثم شُنق بحبله بعد وقوعه في الفخ.. وهاهم الملالي يُقتلون مجرماً تلو مجرم؛ بعدما أوقعوهم في الفِخاخ فخاً بعد فخ!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم جعجعاتُ المُمَانَعة، وادعاءاتُ المقاومة، وخطاباتُ الصمودِ والتصدي؛ فما أكثر ما جعجع (عبد الناصر) وادَّعَى، وما أكثر ما أرغى وأزبد؛ حتى استيقظ في (يونيو 67) على أقلَّ مما استيقظ عليه الملالي في (فبراير 2026).
وإنْ كان بَهَرَهم فيهم أكاذيبُ نُصرة المقاومة، وأضاليلُ وحدة الساحات؛ فها هي (غزة) تشهد على طبيعة النُصرة، وحقيقة وحدة الساحات!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم سَيطرتُهم على أربع عواصم عربية؛ فما فعلوا ذلك بقوتهم؛ بل مُهِّدَ لهم الطريق، وأُخليت لهم الملاعب، وفُرِّغتْ له الساحات..
وإذا ما خَلا الجبانُ بأرضٍ
طَلبَ الطَّعنَ وحدَه والنِّزالا
وكعادتهم في تاريخهم كله؛ تعاونوا مع كل أعداء المسلمين لقتل المسلمين، وذبح المسلمين، وتهجير المسلمين.. ولا أدري واللهِ- إنْ كان هذا ما بَهَرَهُم فيهم- كيف ينبهر مسلمٌ عربيٌ بسيطرةِ مشركٍ أعجميٍ على بلاد العرب والمسلمين، وبلاده هي التي تُحتل، وعِرضه هو الذي يُنتهك، وإخوانه هم الذين يُقتلون ويُذبحون ويُهَجَّرون؟!!
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم طبيعةُ نظامهم أو رَفاهُ شعبهم؛ فما يعرف الناسُ في المنطقة نظاماً همجياً قمعياً مثل نظام الملالي، ولو أُحصِيَ عددُ الذين قُتلوا في ثورتي (تونس ومصر) مثلاً؛ فأغلبُ ظني أنهم لن يبلغوا عددَ الذين يُقتلون في مظاهرتين أو ثلاثة من مظاهرات الإيرانيين ضد نظام الملالي.. وحسبك أن تعرف أنَّ الأجهزة الأمنية في إيران بلغت سبعة عشر جهازاً أمنياً لا عَملَ لها سوى قمع الشعب، وإحصاء أنفاسه، وكبت حريته، وطمس هُويَّات أقلياته.. أما الرفاه والغِنى فهما كلمتان لم أرَ إيرانياً حتى الآن يعرف معناهما؛ اللهم إلا إنْ كان مِن طبقة الملالي أو محاسيبهم.. ولا بأس أن تنظر في قيمة عُمْلَتِهِم منذ مجيء الخميني إلى الآن، أو تَطَّلِعَ على إحصاءات مهاجريهم وطالبي اللجوء فيهم؛ لتعرف ماذا فعل الملالي في هذا البلد النفطي المتخم بالخيرات..
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم ما يُسَمُّونَه (العزة والكرامة)؛ فأين هي العزة والكرامة في إبادة الصف الأول والثاني وربما الثالث من قياداتهم (في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة)، ثم سحق قواتهم البحرية والجوية في يومٍ أو بعض يوم؟! وأيَّة عزةٍ وكرامةٍ هذه وإيران في يدي أمريكا وإسرائيل كالمُنخَلِ في يدي حامله؟! إنْ كانت العزة والكرامة بالجعجعة والصراخ؛ فما أكثر ما يُوسِعُ المهزومُ أعداءَه سَبَّاً وهم يسيرون بالإبل!!
لا أدري والله أي شيء يمكن أن ينبهر به عاقلٌ فيمن هذا نظامه وهذه دولته.. جَبرٌ، وطغيانٌ، وفقرٌ، وتخلفٌ، وفسادٌ، وإفسادٌ، وانتهاكٌ لكرامة البشر، وإهدارٌ لثرواتهم؛ مع دعاوى عريضة لا أثر لها في الواقع ولا حاصل منها على الأرض!!
علامَ إذن يُفرِدُ الإسلاميون المتأيرنون الأنظمةَ العربية بالهجوم ونظام الملالي أشد سوءاً منها داخلياً وخارجياً، بل في أنظمة العرب مَن هو أفضل حالاً بمئات المرات من هذا النظام الذي ما دخل مكاناً إلا أفسده، ولا حَلَّ بأرض إلا خَرَّبها ولا تحالف معه مسلمُ إلا سَقطَ ديناً ودنيا!!
إنه لمِن المخجل حَقَّاً أنَّ القاع الذي وصل إليه العلمانيون العرب بـ(عقدة الخواجة) لم يكن هو القاع الأخير؛ فقد تجاوزهم الإسلاميون المتأيرنون بـ(عقدة المُلَّا) إلى قاعٍ أسفل؛ محققين رقماً قياسياً في السقوط لا يُدرى مَنْ سَيَجُوزه بَعْدَهُم إلى الأدنى.. إنْ كان ثمة أدنى!!
***
(الآن، وهنا) هو ما يدور حوله العلمانيون، ولا شيء عندهم- غالباً- وراء ذلك.. هَمُّهُم الحياة الدنيا التي يعلمون ظاهراً منها “وهُم عن الآخرة هم غافلون”.. منطقيُّ إذن أن ينبهر مَن هَمُّهُ الدنيا بعبيد الدنيا!!
أما الإسلاميون؛ فإنَّ الدنيا عندهم قنطرةٌ للآخرة (الآن، وهنا، لهناك)، أو هكذا يَدَّعون صادقين أو كاذبين.. فإذا كان هَمُّهُم الدين ليُصلحوا به الدنيا-كما يقولون؛ فأين هو المنطق في انسحاق (بعضهم) نفسياً أمام الملالي الذين إنْ نَظَرْتَ في (دينهم) و(دنياهم) معاً؛ لم يَسعْكَ سوى الاشمئزاز منهم، والترفع عليهم، وحمد الله على نعمة العقل والدين.
لقد اختطفهم الملالي بشعارات المقاومة، وادعاءات الممانعة، وخطابات الجعجعة بفلسطين والقدس؛ دون أن يكون لهذه الشعارات وتلك الادعاءات أي تطبيق واقعي ملموس على مدار أكثر من أربعين سنة؛ اللهم إلا قتل أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، وتهجير أكثر من ثمانية عشر مليوناً آخرين!!
***
هل ينطلق الإسلاميون المتأيرنون من الدين حقاً؟!
إنْ كانوا ينطلقون من الدين فإنَّ ديانة الملالي الشيعية مِن أشد الديانات وثنيةً وانحطاطاً واستعباداً للبشر الذين خلقهم الله أحراراً فيما بينهم، وعبيداً له جل وعلا فقط..
فكما وَثَّنَ (بولس) النصرانيةَ، وَنَصْرَن الوثنية؛ وَثَّنَ الملالي الإسلامَ وأسلموا الوثنية.. على أنَّ (بولس) كان أحسن حالاً مِن الملالي- إنْ كان في الوثنية أحسن-؛ فقد أضل الموحدين الأوائل في فردٍ واحد؛ هو عيسى عليه السلام؛ فجعله رَبَّاً أو ابناً للرب- تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، أما الملالي فقد أضلوا الناس في اثني عشر فرداً “يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق”، وصرفوا لهم كل أنواع العبادة على حقيقتها، وجعلوا لهم ولاية تكوينية يتصرفون بها في الأكوان، ويُقَدِّرُونَ بها شؤونَ الأرض والسموات، ويعلمون بها علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. وما أكثر ما قرأنا كفرياتهم هذه وأمثالها في كتب علمائهم، وما أكثر ما أنكر أتباعُهم ذلك تقيةً وكذباً؛ حتى انفجرت- حديثاً- وسائلُ التواصل الاجتماعي بآلاف المقاطع المرئية والمسموعة لكفرياتهم وشركياتهم، وصار العوامُ يَرون ويَسمعون مُعَمَّمِيهم ومُنْشِدِيهم يقولون:
علي أول وآخر.. علي ظاهر وباطن.. علي رب المشارق والمغارب.. علي محيي العظام والجماجم.. علي منزل الكتب.. علي مُفَرِّق السُحبْ.. علي رَدَّ الشمس.. على قابض كل نفس.. علي العزيز الجبار.. علي الواحد القهار..
اللهُ لولا أنت يا حُسين ليس يُعبدُ
كلا ولم يُعرف ختامُ الأنبيا محمدُ
هذا عدا زعمهم تحريف القرآن، وكفر الصحابة، واتهام الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما بما برأها اللهُ منه مِن فوق سبع سماوات!!
أضف إلى هذا- واجعل الإضافة أصلاً- أنك إذا نظرت في الأساس الأعمق للديانة الشيعية وجدتَه مناقضاً ومضاداً لأيِّ مفهومٍ- قديمٍ أو حديثٍ- للحرية عموماً، وللحرية السياسية خصوصاً؛ فإنَّ مدار ديانتهم وجذرها الأساس الذي قامت عليه جذوعُها وفروعها هو (الإمامة) التي يزعمون أنها (نصٌ) مِن الله تعالى في كتابه الكريم، ثم (العصمة) التي منحوها لأولئك الاثني عشر رجلاً.. وهنا مربط الفَرَسِ الذي لا أعرف كيف يمكن للإسلاميين المتأيرننين، أو لليساريين الثورجيين تجاوزه أو التغاضي عنه؛ إنْ كانوا يملكون عقولاً تفهم أو قلوباً تعي أو بصائر ترى.. فإذا كان (الإمامُ) منصوصاً عليه مِن الله فأيّة حريةٍ للإنسان في اختيارِ إمامِهِ وحاكمه؟! وإذا كان معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سيكونُ وما لم يَكنْ لو كانَ كيف يكون؛ فأيَّة حريةٍ للإنسان في مساءلته أو مراجعته أو معارضته؟!
ولا يقولن مُسَفْسِطٌ إنَّ الإمامة والعصمة دينية فقط- وذلك كَارثيٌ أيضاً-؛ فإنَّ الإمامة في الديانة الشيعية دينيةٌ ودنيويةٌ؛ تماماً كما كانت سُلطة الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة..
لقد أسقطوا الشورى بالنَّص، وأسقطوا المُساءَلةَ بالعصمة.. فلا مجال هنا للحديث عن حكومة راشدة يختارها الناسُ بإرادتهم الحرة؛ فيحاسبوها إنْ بَغَتْ، أو يسقطوها إنْ طَغَتْ.. وإنما هو الجبر والطغيان متكئاً على تأسيس ديني مزعوم، وتأصيلٍ ربانيٍّ مفترى..
المَلَكِيَّات الوراثيةُ- على شَرِّهَا- أخفُّ ضرراً مِن هذا؛ فإنها لا تعتمد على تأسيس ديني أو تأصيل رباني؛ بل على السيف والتغلب.. والسيف يَكسره السيفُ، والتغلب يُسقطه التغلب، أما التأصيل الديني فأيُّ شيءٍ يُسقطه إلا أنْ يخرج الإنسانُ مِن دينه المضادِ للفطرة والعقل والواقع!!
وأعجبُ مِن هذا الجبر والطغيان أنَّ هذه الشيعة ومَن شَايعها مِن أدعياء الفكر والثقافة؛ أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد قضية (التوريث) التي اقتضت السياقات الواقعية تاريخياً دخولَ أمة الإسلام فيها.. بينما قامت ديانة الشيعة كلها على أبشع نوعٍ من أنواع (التوريث) الممكن وجوده في الدنيا؛ وهو التوريث الرباني أو الإلهي الذي لا يستطيع شيعيٌّ حُرٌّ- إنْ وُجد شيعيٌ حر- رفضَه أو الفكاكَ منه؛ إلا أن يخرج مِن شِيعيَّتِه ليصيرَ بشراً عاقلاً سَوِيَّ النفس عبداً لله فقط؛ وليس عبداً لاثني عشر رجلاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!!
إنَّ الحرَّ الشريف لَيرضى- إنْ حَزَبَتهُ الأمورُ وأعوزته الحِيل- أن يبايع حاكماً متغلباً، أو ملكاً وارثاً بذل جهده في مقاومته، واستفرغ وُسعَهُ في مغالبته، ثم اقتضت مشيئةُ الله غير ما أراد؛ فهو معه إنْ عَدَل على الرغم من حزازات النفوس، وتحت سلطانه إن أحسن على الرغم من غيظ القلوب؛ مع إبقاء المساءلة ثم الرفض ثم الثورة في دائرة الإمكان إنْ طغى الوارث وتجبر.. ولكنْ أيّ حُرٍّ أو شريفٍ هذا الذي يرضى أن يقول له حاكمُه: إني حاكِمُك الذي اختاره الله لك فلا اختيار لك، وإمامٌك الذي عصمه الله فلا معارضة لي، وطفلي هذا- الذي يلعب بين يدي ويبول في ملابسه- اختاره الله وَعَصَمَهُ أيضاً؛ فهو حاكمك المُنَصَّبُ مِن الله وحاكمُ أبنائك وأحفادك من بعدي، لا يجوز لك ولا لهم معارضته أو الخروج عليه إلا أن تخرجوا مِن الدين وتفارقوا الجماعة!!
أيُّ حر يرضى بهذا، أو يخضع لهذا، أو تطيبَ نفسُه بالدخولِ في هذا؟!
وكيف يُمكن لشريفِ نفسٍ أن يرضى بحكم (سُلالةٍ)واحدةٍ تحكمه بـ(النَّصِ والعِصمة) – لا بالكتاب والسنة-؛ فيصيرَ أمرُها أمرٌ من الله، ونهيُها نهيٌ من الله، وتصبح مراجعتُها ضلالة، ومعارضتُها كفراً، والخروجُ عليها موجباً للخلود في النار؟!
هذه وثنية لا توحيدَ فيها، واستعبادٌ للبشر لا حرية معه..
والوثنيةُ أولُ درجات استعباد البشر للبشر؛ فلا حُرية دون توحيد؛ إذِ التوحيدُ رَبَّانِيُّ المصدر يُحرِّرُكَ مِن عبادة أمثالِكَ بعبادةِ واحدٍ أحدٍ مُطلقِ القوةِ والقدرةِ والهيمنة؛ لتصيرَ وأمثالُكَ تحت قُدرته وقُوته وهَيمنته سَواءً.. أما الوثنية فهي بشرية المنشأ طِينيةُ الأصل؛ وكلُّ ما هو بشريُّ المنشأ خاضعُ بالضرورة لاختلاف العقول وضلالات الأفهام وأهواء النفوس.. وإذا اختلفت العقولُ تَعَدَّدَت المصادر، وإذا تَعَدَّدَت المصادرُ تَعَدَّدَت القيود.. والأخذ عن مصدرٍ واحدٍ في العبادةِ أصلٌ في ثَباتِ العبادة، كما هو أصلٌ في السواء النفسي للعابد، فإذا كانت القيود مِن إنسانٍ مِثلكَ ناقصِ القَدْرِ والقُدْرَة؛ فقد استُعبدتَ لناقصِ قَدرٍ وقُدْرَة.. وأيَّةُ حريةٍ أو سَواءٍ نفسيٍّ في عُبوديتك لأمثالكَ مِن ناقصي القدر والقدرة؟!
إنَّ من أعجب العجب أن ينسحق دعاةُ التوحيد نفسياً أمام طُغاةِ وثنية، وأن يتضاءل مُنَظِّرو الحرية فِكرياً أمام عبيدِ سُلالة.. وقد كانوا يقولون قديماً:” الحرية مقدمةٌ على الشريعة”؛ خالطين بذلك بين السياقات المختلفة، والأوضاع الاجتماعية المتخالفة؛ وكأن الشريعة والحرية خصمان لابد من تقديم أحدهما على الآخر، ثم هَاهُم- بعد كل هذا الإعلاء مِن شأن الحرية المتوهمة-؛ يصل بهم الانسحاقُ والتضاؤل إلى حَدِّ التهليل لفكرةٍ شيعيةٍ استعباديةٍ بائسة؛ هي (ولاية الفقيه) التي سَمَّوها نظريةً، وزعموا- كما قرأتُ لأحدهم- أنها قفزةٌ نوعيةٌ في الدرسِ السياسي الشيعي؛ افتقر إليها الدرسُ السياسي السُّني!!
يا لَله للعقول.. لو نعرفُ أين تُباعُ هذه الجرأة التي يتحدثون بها، وتلك الموثوقية التي يتقلبون فيها؛ لفكرنا في الحصول عليها قبل غَلائِها، فإنَّ الواحد لَيَهُمُّ بكتابة عشر ورقات فيقرأ لها أكثرَ مِن مائة ورقة، ثم لا يكتب حين يكتب إلا وهو خائفٌ وجلٌ أنْ يكتبَ خَطَأً أو يختارَ سَقَطَاً أو يستدل شَطَطَا!!
ومَا حَاجةُ أهلِ السُّنة لولايةِ فقيهٍ أصلاً و(الخلافة) عندنا ليست نصاً مِن الله في كتابه الكريم، و(الخليفة) عندنا ليس معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سَيكون وما لم يَكن لو كانَ كيف يَكون.. إنما يحتاج إلى ولايةِ فقيهٍ مَن حصروا دينَ الله ودنياه في سُلالةٍ واحدة؛ فإذا غاب (الموعودُ) في تلك السلالة؛ سُقطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا؛ فَعَطَّلُوا الجُمَعَ والجماعات، وأسقطوا الحدود والولايات؛ انتظارَ عَودةٍ مُتَوَهَّمَةٍ لغائبٍ مُتَوَهَّم.. أما نحن فقد أراحنا الله جل وعلا في (الخلافة) بقوله:” وأمْرُهُم شُورى بينهم”، وفي (الخليفة) بقوله:” وشَاورهم في الأمر”، وبقوله:” ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعَلِّمُونَ الكتابَ وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون”.


