لا تظلمنَّ أحداً، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وما أثقل تلك الظلمات على القلوب يوم تُكشف السرائر وتُوزن الأعمال، فإيّاك أن تحملك قوة عارضة، أو غضب طارئ، أو هوى مستبد، على أن تضع يدك على حق ليس لك، أو تنال من عبدٍ من عباد الله بما لا يرضاه الله ولا يرضاه الضمير.
لا تغتب الناس وإن اغتابوك، فإن الغيبة داء خفيّ يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ولا تسبّهم وإن سبّوك، فإن الكلمة إذا خرجت من فم صاحبها لم تعد إليه، ولكنها تبقى شاهدة عليه يوم الحساب، ولا تحتقرهم وإن احتقروك، فربّ مستضعف في أعين الناس عظيمٌ عند الله، وربّ متكبّرٍ تهابه الأبصار وهو عند الله صغيرٌ حقير.
ولا تقع في أعراضهم وإن وقعوا في عرضك، ولا تعتدِ عليهم وإن اعتدوا عليك؛ فإن الكريم من ملك نفسه عند الغضب، وكفّ أذاه حين يقدر على الأذى، وليس الشأن أن تردّ الإساءة بالإساءة، فذلك يقدر عليه كل أحد، ولكن الشأن أن تسمو بنفسك فوق صغائر النفوس، وأن تعفو حين يغري الغضب بالانتقام.
اعرف لأعراض الناس وأموالهم حرمتها، فإنها عند الله عظيمة، وقد جعلها الله سياجاً لكرامة الإنسان وصيانةً لمروءته. فلا تدُسْ هذه الحرمة بقدم الطمع، ولا تمسّها بيد العدوان، ولا تجعل لسانك سيفاً يجرح بها كرامة الناس.
وإذا عشت بين الناس فاجعل لنفسك مبدأً لا تحيد عنه: أن تلقى الله وقلبك سليم، ويدك طاهرة، ولسانك مصون. سر في دنياك خفيف الظهر، لا تثقل كاهلك حقوق العباد، ولا تتبعك شكاية مظلوم، ولا تلاحقك دمعة مقهور.
فإن أسعد الناس يوم القيامة من جاء الله بقلبٍ نقيّ، ولم يأتِ ومعه مظلمةٌ لأحد، ولا دعوى من إنسان، ولا حقّ ضيّعه، ولا كرامة انتهكها، يومئذٍ يمضي مطمئنّ النفس، راضي الضمير، وقد نجا من ظلمات الظلم إلى نور العدل، ومن ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله.
(أوكسفورد، 28 رمضان المبارك 1447هـ)


