لقد كان لتصدّر بعض الأعاجم – على ما أوتوه من ذكاء لامع ونبوغ مشهود، وإبداع في ميادين العلم والفكر – في علوم الإسلام واللغة العربية، آثارٌ بالغة الخطر على مسار هذه العلوم وتطورها، تمثّلت في تحوّلات فكرية ومنهجية عميقة، ومهما بلغوا من الإخلاص والاجتهاد، فقد أدى غياب الأصول العربية الراسخة عن بعض اجتهاداتهم إلى نشوء قراءات وتأويلات ابتعدت في بعض وجوهها عن روح الوحي وجمال البيان القرآني، الذي لا يكتمل إدراكه إلا باستيعاب نَفَسِ العربية وأسرارها.
ولو أنّ زمام هذه العلوم ظلّ في يد أهل اللغة والبيئة التي نزل فيها الوحي، وكان لغيرهم أن ينهلوا منها على هديهم ويسترشدوا بمناهجهم، لربما حُفظ لهذه المعارف توازنها الأصيل وانسجامها العميق مع مقاصد النصوص الشرعية وروح العربية، إذ إنّ بعض من تصدّر هذه العلوم من غير العرب، رغم ما بذلوه من جهد محمود، قد عمدوا – عن قصد أو عن غير قصد – إلى فصلها عن سياقاتها الثقافية واللغوية الأصلية، واستعانوا بمناهج فكرية مستمدة من بيئاتهم، مما أدى إلى بروز رؤى وتأويلات لا تنسجم تمام الانسجام مع خصائص هذه العلوم ومقاصدها العليا.
وتتجلّى هذه الأضرار في صور متعددة، من أبرزها:
1- الإفراط في التكلف في علم التجويد: فقد حادوا بالقرآن الكريم عن جماله الطبيعي وعفويته الفطرية في التلاوة، وأدخلوا في تجويده صنوفًا من التعقيدات والاصطناعات، حتى غدت التلاوة أقرب إلى الأداء الآلي منها إلى البلاغ الإلهي، وأصبحت العناية مركّزة على تحسين الأصوات وإظهار المخارج والغُنن، ثم التلحينات والمقامات، دون اهتمام يُذكر بجوهر الرسالة ومعناها.
2- تفريغ النحو من روحه: حيث اختُزل علم النحو في الإعراب والتحليل اللفظي، وتم إغفال البُعد المعنوي والوظيفي للجملة العربية، ففُقدت بذلك الحيوية التي كانت للنحو في صدر الإسلام، والتي كانت تعين على فهم الكلام على وجهه الصحيح.
3- استيراد المناهج الأجنبية: فقد استعاروا المبادئ البلاغية والقواعد العقلية والمنطقية من الفرس واليونان والهنود، وأعملوها في تفسير القرآن واللغة العربية، دون اعتبار للفوارق الجوهرية بين البيئات الثقافية، فكانت النتيجة إقحام مفاهيم غريبة على النصوص الإسلامية، لا تنسجم مع طبيعتها ولا مع مقاصدها.
4- إسقاط السياق التاريخي والبيئي للنصوص: لقد تعاملوا مع نصوص القرآن والسنة كأنها أقوال أدبية معزولة، يُنظر فيها بمعزل عن قائليها وسياقها الزماني والمكاني، فجاء التفسير أشبه بشرح القصائد والخطب، بدل أن يُبنى على معرفة العادات والبيئة والسياق الذي نزلت فيه تلك النصوص.
وقد تسرّبت هذه الأضرار إلى معظم العلوم الإسلامية: في التفسير، وشروح الحديث، والفقه، وأصوله، والنحو، والبلاغة، بل إن من آثارها ما نراه اليوم من موجات التفسير المذهبي والسياسي للدين، والتي انحرفت بالخطاب الإسلامي، وأفرغت النصوص من روحها الربانية ومقاصدها العليا.
ليت العرب حافظوا على تقدمهم وتولّوا إمامة هذه العلوم، فإن ذلك كان كفيلًا بحمايتها من هذه الانحرافات، ولا يعني هذا القول أن كل عربي قد أوتي حظًّا من الفصاحة والسليقة، بل الواقع أن كثيرًا من العرب في زماننا أشدّ عجمةً من بعض الأعاجم، بيد أن العجمي – مهما بلغ من المهارة في اللغة – يظل في الغالب مفتقرًا إلى أمرين:
1- ضعف المعرفة بالسياق العربي الأصيل، مما يجعل ذوقه ذوقًا أعجميًّا لا ينبع من الفطرة العربية.
2- إسقاطه عن وعي أو عن غير وعي– لسياقات لغته الأصلية وبيئته الثقافية على اللغة العربية ونصوصها، فيشوّه بذلك المعاني ويصرفها عن وجهها.
إن العلوم الوافدة من الفرس واليونان والهنود ليست علومًا محايدة يمكن تطبيقها في أي سياق، بل هي مشبعة بأمزجة أصحابها الدينية والعقلية والثقافية، ولا يصح نقلها إلى بيئة أخرى دون تمحيص.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون من بعدهم على السليقة العربية السليمة، يفهمون النصوص بإدراك نابع من طبيعتهم وسجيتهم. وقد أدرك الإمام مالك بن أنس – رحمه الله – دقة هذا الأمر، فاعتبر عمل أهل المدينة حجة في الفقه، لأنهم كانوا يعيشون في بيئة النبوة ويتوارثون الفهم العملي للنصوص، بينما نقص أهل العراق – رغم ذكائهم –هذا العامل الحيوي.
فاللغة ليست مقصودة لذاتها، بل هي إشارات إلى معانٍ، وهذه المعاني لا تُفهم حق الفهم إلا من خلال عمل القوم الذين نزل الوحي فيهم. ومن هنا ركّز الإمام ابن تيمية – رحمه الله – في أصول التفسير على فهم المعنى المراد، لا مجرد المعنى اللغوي، فإن إدراك المعنى المراد يتوقف على فهم السياق والعرف والبيئة.
وهكذا، فإن المشكلة تبدأ من اللغة والنحو والبلاغة، وتنتهي إلى سوء فهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ومن الواجب على أهل العلم في زماننا أن يعيدوا هذه العلوم إلى سياقاتها الأصلية، ويحرّروها من التأثيرات الأعجمية التي حجبت روحها وأضعفت أثرها.
ومن هنا، فإنّ من الضروري إعادة النظر في كثير من تلك المناهج، لا من باب الرفض أو الإقصاء، بل من باب الحرص على استعادة التوازن المنهجي، وردّ العلوم إلى أصولها المتينة، ولغتها الأم، ومقاصدها النبيلة، في إطار من التقدير العميق لكل من أسهم في خدمتها على مرّ العصور.


