د. محمد أكرم الندوي يكتب: «عبس وتولى»

قالوا: مالنا نراك ممتعضا؟ قلت: لم تكدِّرني إلا مقالة أرسلت إلي: قال العلامة الفقيه ابن عاشور في بداية سورة عبس وهو يبين أغراضها: “تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموازنة بين مراتب المصالح ووجوب الاستقراء لخفياتها كي لا يفيت الاهتمام بالمهم منها في بادئ الرأي مهما آخر مساويا في الأهمية أو أرجح. ولذلك يقول علماء أصول الفقه: إن على المجتهد أن يبحث عن معارض الدليل الذي لاح له”.
قالوا: ما نقدك لهذا الكلام النفيس الناصع؟ قلت: أمران: أمر عام، وأمر خاص.
أما الأمر العام فاعلموا أن لكل علم أو فن طبيعته الخاصة، والواجب على الإنسان إذا أقبل على فرع من فروع العلم أن يعنى بذلك العلم من منظوره الخاص، ولا يفرض عليه تبعات الصناعات الأخرى ومخلفاته، فمثلا إذا أراد عالم الاجتماع أن يأخذ علم الطبيعة، أو علم الرياضيات، أو علم الأفلاك فالمحتوم عليه أن يتخلى عن منظوره الاجتماعي، ويُخْلص نفسه لذلك العلم المقصود اكتسابه، والقرآن كتاب الله، وهو أفضل كلام لا يبلغه شيء من كلام البشر، ومن ثم أنزل على النبي الأمي الذي يأتي إليه عطشان ليأخذ منه، لا ليعطيه شيئا، وهذا هو الشرط الأساسي للاستفادة من كتاب الله أن يتجه إليه المرء أمّيًّا مطهَّرا من ميوله الفلسفية واتجاهاته العقائدية، ولكن الذي حصل في القرون المتأخرة أن المعتزلة درسوه بعين الاعتزال، والأشاعرة فسروه من وجهة نظر الأشعرية، والفقهاء جعلوه كتاب فقه، وهلم جرا، فظلموا كتاب الله ظلما مبينا:
وكل يدَّعي وصلاً بليلى
وليلى لا تقر لهم بذاكا
والعلامة ابن عاشور في تفسيره أشياء نافعة، ولكن تغلبه نزعته الفقهية والأصولية، فيهبط بكتاب الله إلى مستواه البشري المصطنع، بدلا من أن يرتفع بنفسه إلى ذاك المستوى الرباني العالي.
وأما الأمر الخاص فهو المتعلق بهذا المقام، فكأنه يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوازن بين مراتب المصالح ولم يستقرئ خفياتها، حتى أدى ذلك إلى اشتغاله بالمهم منها عن المهم المماثل أو الأرجح، فهذه جرأة عظيمة من الشيخ الفقيه على جناب النبي صلى الله عليه وسلم.
وهل اشتغل صلى الله عليه وسلم في حياته قط إلا بما أمره الله به؟ أليس هو المختار المصطفى من بين سائر البشر؟ أليس هو الصادق الأمين؟ ألم يأمره الله بقوله “وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين”.
فكان من واجبه إنذار عشيرته الأقربين وخفضه جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، يعلمهم ويرعى شأنهم مضحيا في سبيل ذلك بمصالحه الشخصية والأسرية، ولم ينقل عنه تقصير في التعليم والتزكية.
وكان مع عنايته بشأن المؤمنين حريصًا على هداية أشراف قومه، وإنهم إن أسلموا أسلم جمع عظيم، أو ليس المهم الأرجح للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتحين فراغ أولئك الأشراف لاستماع حديثه، فينذرهم ويعلمهم؟ أو ليس الواجب على المؤمنين أن يساعدوه في دعوته، وأن لا يقطعوا عليه حديثه إذا كان مشتغلا بالدعوة، أليس هذا هو الأدب الذي علمه الله تعالى في سورة الحجرات؟
كان الواجب على ابن أم مكتوم أن يتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتأدب فإنه هو الذي يستحق التأديب والزجر، وقد أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدب أصحابه، وقد شهد الله تعالى بعظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: “إنك لعلى خلق عظيم”.
قالوا: فما قصة هذه السورة؟ قلت: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس شفقة على الناس وحرصا على إنقاذهم من النار، وكان زعماء قريش فيهم كبرياء وشدة أنفة، وكانوا كلما ازدادوا جماحا ازداد النبي صلى الله عليه وسلم إلحاحا في الدعوة رحمة بهم وشفقة عليهم وأداء لأمانة الرسالة التي نيطت به، ورجاء أن يعز الإسلام بإيمان الأقوياء ذوي البأس والنجدة، وخوفا من أن يقصر في الجهد والصبر، وكان ربه رحيما به فلما رأى منه هذا الإلحاح والأسف نبهه إلى أن لا ينزل عن سمو محله، فإنه أرسله بالعز الشامخ والشرف الباذخ، فقال: “لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا”، ووجهه إلى من هو أولى بعنايته وأحق بوقته، فقال: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا”، وكلما حملت النبي صلى الله عليه وسلم شفقته على الحرص الزائد على هداهم صرفه الله عن ذلك رحمة به ورفعا للرسالة عن الخضوع، حتى جاء إليه ابن أم مكتوم وهو ينذر بعض زعماء قريش فخاف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: إنما يتبعك العميان والضعفاء، وخاف أن يزدرئ الكفار بأصحابه، فأحس النبي صلى الله ببعض الضيق في نفسه بدخول ابن أم مكتوم عليه، فاستعمل الله هذا الشأن لزجر الكفار، فالكلام خرج مخرج العتاب، ولكنه في الحقيقة زجر للكفار وتنديد بهم، وثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وتطييب لقلوب المؤمنين، حتى يعرف الزعماء مكانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عين الله تعالى.
قالوا: أليس أن ابن أم مكتوم جاء ليتعلم منه ويتزكى فعبس النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وتولى عنه؟ قلت: أو ليس العبوس في وجه الطالب من سوء الخلق؟ وقد وصفه الله بصاحب الخلق العظيم، وهل يشعر الأعمى بالعبوس؟ وإنما شعر النبي صلى الله عليه وسلم بضيق الصدر لما ذكرنا، ولم يعلم صلى الله عليه وسلم أنه جاء ليتعلم منه، فقوله تعالى “وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى” صريح في أنه عليه السلام لم يعلم أنه جاء ليتزكى، وإنه لمن المستحيل أن يعبس النبي صلى الله عليه وسلم في وجه من جاء يتزكى، والقرآن نفسه يأبى ذلك.
قالوا: فكيف تؤول الأخبار الواردة في ذلك؟ قلت: الصحيح منها ما رواه مجاهد، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخليا بصنديد من صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله وهو يرجو أن يسلم إذ أقبل عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كره مجيئه وقال في نفسه: يقول هذا القرشي: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فنزل الوحي عبس وتولى إلى آخر الآية.
فظاهر من قول مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أنه جاءه ليتزكى، فمجيئه في غير وقت المجيء ينبغي أن يكره.
فاعلموا أن هذه السورة فيها دلالة على عظمة خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على هدى الناس، وفيها زجر للكفار صرفا للخطاب عنهم لأنهم لا يستحقون ذلك، وفيها إظهار علو منزلة المؤمنين على صناديد قريش.
قالوا: فما تأويل الآية؟ قلت: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى»: فاعل «عبس» هذا الصنديد من قريش، فهو الذي عبس وتولى، وجاء في موضع آخر من القرآن في ذكر بعض المستكبرين مؤكدا هذا المعنى أشد التأكيد: «ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ»، وضمير المفعول في جاءه” راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي إن هذا الصنديد لما رأى ابن أم مكتوم جاء النبي صلى الله عليه وسلم عبس وتولى، وشهادات القرآن وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم المستفيضة تأبى أن يكون هو فاعل «عبس»، فالعبوس في وجه الطالب من سوء الخلق، وقد وصفه الله بصاحب الخلق العظيم، «إنك لعلى خلق عظيم»، و«الله أعلم حيث يجعل رسالته».
«وما يدرك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى»: فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عبوس هذا الصنديد وتوليه ضاق صدرا بمجيء ابن أم مكتوم في هذا الوقت، واستمر في حرصه على تذكير هذا الصنديد.
والناظر في القرآن لا يخفى عليه أن الوجه في قوله «أما من استغنى فأنت له تصدى»، وقوله «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين» إلى الكفار وإن كان الخطاب في ظاهره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمثال هاتين الآيتين تسلية كبيرة لحبيب رب العالمين صلى الله عليه وسلم.
قالوا: فما توصينا؟ قلت: أوصيكم أن تعنوا بتدبر كتاب الله تعالى العناية اللائقة به منزهين أنفسكم عن الميول الطائفية والاتجاهات المذهبية:
تقول نساء الحي تطمع أن ترى
محاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى
سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامع