د. محمد أكرم الندوي يكنب: فيومئذ وقعت الواقعة

عدت أيام طلبي مرة في شهر شوال إلى دار العلوم لندوة العلماء بالهند ومكتب المدير مزدحم بالمتلمسي الالتحاق، فإذا بغلام يافع قد دنا مني، وقال: إني جارك في جونفور، فأد حق الجوار وساعدني، قلت: ما قصتك؟ قال: نزلت هنا منذ ليال واختبرني شيخان فأسقطاني في الامتحان، قلت: أمرك سهل المرام وقريب المنال، ائت باستمارة جديدة، فملأتها ودخلت مكتب المدير واثقا بصلتي به، فقلت: هذا طالب جديد، لو تم اختباره فيفوز بالقبول في هذا المعهد المحترم، وبجانب المدير شيخ نابه يقظ، فقال: أنا الذي امتحنت هذا الطالب وقد رسب، فاستشاط المدير غضبا، وقال: أتغشني وأنت أنت؟ فسقط ما في يدي، وتهاويت في واد سحيق، تائه العقل وهبيت الفؤاد، وأمر بطعامي فأوقف لعشرة أيام.
وخرجت مرة من ندوة العلماء إلى موقف القطار في لكنؤ، فاتجهت إلى مكتب التذاكر لأشتري التذكرة لجونفور، فإذا بطالب من جامعة لكنؤ وهو بلديي، فقال لي: أتشتري التذكرة؟ لم أشتر تذكرة في حياتي، لا أركب القطار إلا مجانا، فاستغربت أمره استغرابا شديدا، وبلغني بعد قليل أن الشرطة ألقت عليه القبض وهو في السجن متضعا مقهورا.
وكنت مرة راكبا دراجتي في أوكسفورد فلما وافيت إلى الإشارة فإذا الضوء أحمر، فوقفت دراجتي مع الواقفين، وخلفي صاحب لي مرح خفيف، فضحك علي وقال: أتخاف الشرطة؟ ومضى غير مكترث بالإشارة، ولما تجاوزها أخذه شرطيان عن يمينه ويساره، فخنع وصغر وخجل خجلا شديدا.
كلما قرأت قول الله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} أخذتني رعشة ووجف قلبي وماج وهاج، ودارت بين عيني تلك القصص التي حكيتها وأمثالها لما بينهن من شبه في المباغتة والمداهمة وحتمية المشهد المهين، إن هذه الآية تملأ نفسي هولا ورعبا لا يوصف، تتحدث الآية عن اليوم العبوس القمطرير الذي يشهد فيه الكون كله أحداثا غير مسبوقة، حاملة في طياتها من الفزع والهيبة ما يدع الحليم حيران، والصاحي سكران.
يصور الله الساعة تصويرا دقيقا صادقا حتى يقول: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}،
يا لهول تلك النفخة الواحدة التي يتبعها دمار في الأرض والسماء وفساد في النظام العلوي والسفلي تعجز العقول بل الأوهام أن تستوعبه، من يتصور أن تحمل الأرض والجبال كلها فتدكا دكة واحدة، تسوي عاليها بسافلها، وتطير الأرض غبارا، وتسير الجبال الراسيات رمادا كالعهن المنفوش، إنه ذلك الحدث الذي أنكره المنكرون، وكذب به المكذبون، واستهزأ به المستهزئون، ولو أعملوا عقولهم وأثبتوا المقاييس والموازين لما تمادوا في جهالاتهم، ولا تسكعوا في عماهاتهم، ويل للمكذبين القائلين: هذا الحق باطل، وهذا الصبح ليل، لقد عموا وعمي معهم العالمون عن الضياء.
إنه ذلك الفزع الذي تنذر به سورة الحاقة في آيات بليغات، إلى أن تنتهي بكلمة تنخلع لها القلوب: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، فهي الواقعة، وهي لا بد أن تكون الواقعة، وهي الحاقة، وهي القارعة، وهي القيامة، يوم تتقطع لهوله الأكباد، وتقلق الجوانح والحشا، وتصم الآذان، وتعمى الأبصار، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
إن الآية توقفني لما توحي إلى من المفاجأة المدهشة وحتمية المشهد ولمعان أحس بها ويعيا البيان دونها.