كنت مهتما جدا بمسألة الحوار بين أتباع الأديان والحضارات، ربما بسبب عنايتي بدراسة الأديان وتاريخها ومقارنتها، وبسفري ومكثي مدة في آسيا وقربي.. واحتكاكي بمصادر الديانات الآسيوية ورهبانها ورجالها، وربما لمشاركتي في بعض المؤتمرات الدولية ذات العلاقة،
وفكرت وتمنيت أن لو ننشئ في جامعتنا.. جامعة القاهرة مركزا دوليا ل (حوار الأديان والحضارات) ينبثق عنه مؤتمر دولي أو دوري، ودراسات وبحوث،
وكان حينذاك يتولى عمادة كليتنا.. كلية دار العلوم، زميل لي في القسم، وكانت علاقته برئيس الجامعة وثيقة ومؤثرة، فكتبت مقترحا متكاملا لتأسيس هذا المركز،
وذهبت به لزميلي، فرحب بي كعادته أحسن ترحيب، وأثنى على المشروع المقترح أجمل الثناء، وشكل لجنة من زميلين للنظر فيه، وموافاته بتوصيتهم.
اختار العميد الزميلين بنظر ثاقب، فكلاهما لا علاقة له بمثل هذه القضايا من قريب او من بعيد، ولا ينشطان لمثل هذه الأمور، وكتبا التوصية السلبية التي يريدها سعادة العميد، رحمه الله تعالى، وظهر سعادته بأنه صنع ما يجب عليه، ورفض المشروع المقترح بصيغة مؤسسية مستوفية للشكل.
وقلت في نفسي: المعاصرة حجاب، والخوف من المنافسة الوظيفية حجاب آخر!
فكرت في أن أعرض مشروعي على جامعة الأزهر، لكني انشغلت بأن عرض على الإعارة للعمل في جامعة قطر،
وكان عميد الكلية ووكيلها صديقين لي،
وبعد ان استقر بي المقام في الدوحة،
فكرت في التقدم به لعميد الكلية، وقد يروق له، ولا يشكل له (لجنة رفض)!
وتسلم الرجل (أ.د. عبد الحميد الأنصاري) المقترح، وقرأه بعناية، وتحمس له، وزكاه، وذهب به وسلمه لرئيس الجامعة.
وبعد ثلاثة أشهر تقريبا، جاءني اتصال هاتفي يطلب مني زيارة (الديوان الأميري)!!، وحدد لي موعد، فاصطحبت معي صديقي وتلميذي وكيل الكلية أ.د. يوسف الصديقي.
واستقبلنا في الديوان مستشارًا مثقفًا، أصبح فيما بعد وزير دولة للخارجية، ثم وزيرا للدفاع.
وناقشني المستشار في المشروع مناقشة مفصلة مستوعبة، وكانت مقابلة مفيدة،
ثم أخبرني وهو يودعني أن مشروعي قد ووفق عليه، وسيحال لوزارة الخارجية للترتيب في تنفيذه، وسيكون البدء بتنظيم (مؤتمر الدوحة الدولي لحوار الأديان) وهذه التسمية من اقتراحي بالطبع، وسيكون لنا في الكلية الجوانب العلمية والفكرية والأسماء المدعوة، والموضوعات التي ستناقش إلخ.
وانعقد أول مؤتمر، وكان ناجحا جدا، وكان له صدى طيب، وأضاف لدولة قطر سمعة دولية جيدة تتعلق بإيمانها بالتعددية والانفتاح والتواصل مع الآخر.
وكان يفتتح هذه المؤتمرات أمير قطر الشيح حمد، الذي رحل اليوم، رحمه الله وغفر له، الذي كان متحمسا له، ولكل فكر يضيف جديدا لبلده.


