د. محمد جلال القصاص يكتب: البداية من غرس القيم

التعليم أربعة أشياء:
أولها:
معلم ذو إمكانات حقيقية؛
وثانيها: متعلم راغب أو مدفوع من راغب؛
وثالثها: مناهج تعليمية.. والمقصود بالمنهج هنا المحتوى العلمي بمعناه العام؛
ورابعها: الأبنية وما فيها من أدوات تعليمية كالكتاب والحاسوب والسبورة. بمعنى أن على كل من يهتم بالتعليم والتربية أن يجيب على هذه الأسئلة الأربعة مجتمعة: من سيعلم؟، وماذا سيعلم؟، ومن سيتعلم؟، وأين تتم العملية التعليمية؟
ولابد من الأربعة كي تتم العملية التعليمية بنجاح. النقص يحدث نقصًا موازيًا.
المدارس الخاصة تدرس مناهج العلمانية ولا تستطيع الفكاك منها اللهم إلا قليلًا بما تضيفه من (نكهة) إسلامية. والتيارات السلفية تعامل الجميع سواء: الصغار والكبار.. الرجال والنساء، ولا يوجد وعي أو عزيمة لصياغة مناهج تراعي الفروقات. ومما يُظهر الجهل –أو الكسل- بصياغة مناهج تناسب الأعمار المختلفة الكرتون الإسلامي، فمع ثراء المادة العلمية التي نملكها نحن المسلمين، ومع أن مجال الكرتون له شعبية عالية ومربح في ذات الوقت، إلا أن الكرتون الإسلامي في جملته بعيد عن مخاطبة الصغار، وبعيد عن التخصصية في الطرح، فغالبه لا يخرج عن الدفع بكمية كبيرة من المعلومات بين اثنين يتحاوران.. كأنها خطبة أو درس. ثم نشكو من انصراف أبنائنا للكرتون العلماني الذي يغرس فيهم القيم المخالفة.
أين الخلل؟
في عدم وجود مادة علمية؟!
بالطبع لا.
في عدم وجود مختصين على المستوى الفني (صناعة الكرتون في هذا المثال، وصناعة المناهج عمومًا)؟
نعم. يغيب الصنايعي.. الفني المحترف.. يغيب ذو العزيمة لصناعة الأدوات المعرفية والفنية. نتجمع كلنا عند المنتج النهائي ونغيب عن حرفية الإعداد.. عن الجهد الذي يبذل في الخلفية لإخراج عمل قوي يؤثر بإذن الله.
لا أريد الاسترسال، ولكني أريد الإشارة إلى أن التفكير الشمولي(معلم، ومتعلم، ومناهج، وأدوات)، مفقود، والحل لن يكون جزئيًا، وقد جربنا عشرات السنين ولا فائدة. حتى التجارب التي تنقل الآن ليس فيها إبداع، بل جلها تقليد لنماذج علمانية تحاول إصلاح المنظومة العلمانية ذاتها. وراجع –إن شئت- المدارس الخاصة والتعليم المنزلي (الكلي أو التعليم المرن). عبارة عن علاجٍ لخلل في المنظومة العلمانية نفسها، وبالتالي لا يمكن الوصول لحل يناسب هويتنا الثقافية من خلال أدوات العلمانية؛ فما يدعيه قومنا من أنه تصويب للتعليم هو نماذج علمانية أيضًا.. بمعنى أننا أسرى الفكر العلماني، بمعنى أننا لازلنا نفتقد الذاتية الإسلامية.
ما الحل؟
نقد الموجود وبيان الخلل فيه نقطة البدء الصحيحة. ويجب أن يأخذ النقد حقه، فالنقد يظهر الخلل في المعروض لتجنبه، أو الانتقاء منه. وله وظيفة أخرى أهم، وهو أنه يزيح المرفوض جملة عن طريق التأطير، فمثلًا نتفحص التعليم في نوعية معينة من مسارات التعليم ثم نضعها في إطار معين يجعل من يراها يرفضها.. مثلًا نقول: التعليم في هذا المسار سيء لكذا وكذا.. فيتجنبه الناس، فيكون النقد بهذا ازاح كمية كبيرة من الشر بكلمات معدودات.. عن طريق التأطير.
من خلال عقدين ونصف قضيتهما في هذا المجال كمهتمٍ يرصد التجارب والظواهر ويحاول فهمها، وكصاحب تجربة يصفها غيري بأنها ناجحة، أعتقد أن نقطة البدء الصحيحة تكمن في أن يقوم البيت (الأب والأم) بمهمة أو مهمتين- حسب إمكانيات الأبوين-:
الأول: غرس قيم كلية تصحح أخطاء المناهج التعليمية.
الثاني: تعليم شيء محدد. مهارة، أو معرفة، يتقنها الأبوين: مثل تعليم القرآن، أو الحساب، أو لغة أجنبية، أو الرسم (بضوابطه الشرعية)..
يعطي غرس القيم حلًا سريعًا، وثابتًا لما يُرفض في العملية التعليمية الرسمية (مع الأخذ في الاعتبار أن الرفض من الجميع وليس من شريحة المتدينين فقط). ولا يحتاج لمجهودٍ كبير فيمكن ممارسته من خلال النقاش الأسري حال الطعام أو حال الفسحة واللعب، وخاصة أن الأطفال يندفعون للأسئلة ويطلبون النقاش في مراحل التكوين.
والفكرة قائمة على أن الواقع المشاهد لا يتغير وإنما تفسير الواقع هو الذي يتغير، وهذا التفسير يخضع للقيم الكلية التي يحملها الإنسان، فالتبرج نراه جُرمًا وخروجًا عن الشريعة، ويراه غيرنا أمرًا عاديًا وحرية شخصية. والكفر بالله وما أنزل على رسله نراه الداهية العظمى ويراه غيرنا حرية شخصية.
القيم الكلية قليلة عند الجميع، وهرمية، بمعنى أن قيمة واحدة تجلس عاليًا، وتصطف باقي القيم تحتها، مرتبطةً بها خادمةً لها، بترتيب هرمي. وعندنا القيمة العليا هي التوحيد، عبادة الله وتعبيد الناس لله [انظر مقال: القيمة العليا في الإسلام]، وأننا في هذه الحياة الدنيا نطلب ما عند الله وإن ارتقينا في الإيمان نطلب القرب من الله الكبير الكريم. ثم نحن دعاة للتوحيد نحمل رسالة عن الله لمن لم يؤمن به (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (الأعراف:108)، ويذكّر بعضنا بعضًا لنستمر على الإيمان (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(الذاريات:55) (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوه) (المائدة:79). فالتوحيد والدعوة إليه في المقدمة. ثم غرس قيمة الاحتساب (طلب الأجر من الله على ما نفعله ونقوله)، وهكذا تتوالى القيم .. نغرسها بالنقاش.. بالمواقف الحسنة.. كل بما يستطيع.
ونمارس النقد لما تغرسه المدارس من قيم ومعارف؛ نتداخل معها، ومن أمثلة ذلك: أنهم يدرسون للأبناء تاريخ الفراعنة (أو أي تاريخ غير تاريخ الإسلام)، فنداخل نحن على ذلك ونذكر لأبنائنا: أنهم يدرسون التاريخ دون ذكر للأنبياء، فالفراعنة لا يذكرون معهم موسى- عليه السلام-، وكذا كل حضارة، والسبب في ذلك هو الرفض لدعوة الرسل- بقصد أو بدون قصد- مع أن الرسل- صلوات الله عليهم أجمعين- كانوا نقاط التحول والتصحيح في حياة الناس.. كل الناس..( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)(فاطر:24). ومثلًا: تكاد تجتمع أفلام الكرتون التي تتحدث عن الديناصورات إلى القول بأن الحياة الدنيا من مئات المليارات من السنين، بمعنى أن الوجود أزلي، وأن ثمة كائنات أخرى ضخمة وقوية كانت موجودة قبل الإنسان وتطور منها الإنسان، وأن الإنسان مرحلة في هذه الحياة فإن فني فإن غيره سيعقبه ولن تنتهي الحياة، وندخل نحن في وجه هذا الكذب ونتلو على أطفالنا قول الله: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)(الكهف:51)، وأن بعد الحياة حساب وثواب أو عقاب في حياة آخرة بها النعيم الأبدي أو العذاب السرمدي.
وغرس القيم سهل ومقدور عليه، ولا يحتاج لفصلٍ دراسي ولا معلمٍ خاص؛ ومن عجز عن ذلك فليتعاون مع غيره، بأن يدفع بأطفاله (وخاصة من هم في سن المراهقة والشباب) لصديق له يتحاور معهم في جلسات صالونية أو مكالمات هاتفية.
تكمن صعوبة غرس القيم في أنه يحتاج لأسرة واعيةٍ. ويحتاج – من المهتمين بالمجال العام- لتوفير مادة علمية (كتب، محاضرات..) يتم تثقيف الآباء والأمهات عليها، ويرجعنا هذا لنقطة البدء وهي: إعداد الآباء والأمهات، وإعداد المناهج.
في الحديث «ابدأ بنفسك».
ابدأ بنفسك في تعليم ما يلزم كي تقوم بمهمتك كأب وأم، وخاصة في هذا الزمن الذي اشتدت فيه الغربة وركبنا الناس حتى غلبونا على أبنائنا وأنفسنا. والبداية الجادة من إعداد الأم وتفريغها، والإحسان إليها.. وتوفير الأمان النفسي والمادي والاجتماعي لها لتقوم بمهمتها.