قبل مدة من الزمن، ولسببٍ ما وجدتني أشاهد بعض الحلقات عن الشعر الجاهلي- وغيره من مواضيع الأدب- يلقيها كريم فاضل، في “شيخ عمود”.
تحدث عن بلاغة القرآن وذكر أنه (هو) اتجه للدراسة في كلية “دار العلوم” للبحث عن التأثر بالقرآن.. للبحث عن ذا الذي وجده سيدنا عبد الله بنُ مسعود -رضي الله عنه- في الحواميم (السور السبع التي تبدأ بـ [حم].. غافر وما بعدها). ثم يقول: لم أجده!!
يقول: قرأت الحواميم ولم أجد فيه شيئًا مما قال ابن مسعود. ويسأل متعجبًا.. منكرًا: أين هو؟!
وسيدنا عبد الله بن مسعود وصف الحواميم بأنها “ديباج القرآن”، أي زينته وحليته؛ ووصف حاله حين يقرأ الحواميم بقوله: “إذا وقعتُ في الحواميم وقعتُ في روضاتٍ دَمِثَاتٍ أتأنق فيهن”؛ والمعنى: أن الحواميم جنّات (روضات) شديدة الحسن ممهدة. يتأمل في حسنهن ولا يشغله عن ذلك شاغل،
وكلاهما صادق لم يكذب!!
فعبد الله بن مسعود، وجم غفير من الصحابة والصالحين من بعدهم إلى يومنا هذا أخذهم القرآن مأخذين. بل ثلاث. بل أربعة. بل خمسة وأكثر:
أخذهم بحسن البيان وقد سجد صناديد الكفر للبيان وأخبارهم منتشرة وجمّع بعضهم حال الكفرة والفسقة من الشعراء والمعنيين بالبلاغة، حين تعرضوا للقرآن تحت عنوان “سجدة الشعراء”، وهو أمر مشهور، ومن ذلك أن بعضهم سمع قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فخرّ ساجدًا لبعض ما فيها من بيان؛ وقبلهم كفار قريش وقد قال أشدهم كفرًا: “إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر…”. فلم يؤخذ المؤمنون وحدهم ببيان القرآن، بل كثير ممن لم يؤمنوا. بمعنى أن حسن البيان حاضر لا يغيب. فكيف لم يجده؟!
وأخذهم بما يحدثه الترتيل (أحكام التلاوة/ الصوت الخاص بالقرآن)، وهي القشعريرة التي قال الله عنها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، (الزمر: 23) [شرحت هذا من قبل تحت عنوان “من حلاوة القرآن”].
وأخذهم بشيء من المعنى الكامن في الآيات.. ما في الآيات من ترغيب وترهيب.. أمرٍ ونهي.. تبصرة بآيات الله في النفس والكون وأحوال السابقين.
وأخذهم بما يصف الله به نفسه، فالله حاضر في كل آية، بل في كل كلمة. هو الذي يتكلم سبحانه وتعالى. يتكلم إليك أنت. يصف نفسه ويدل خلقه على ذاته العلية، وعلى ما يصلحهم في دنياهم وأخراهم. إن الله، العلي، الكبير، العظيم، الأحد، الصمد، رب كل شيء وخالقه، ومالكه، القيوم، المقيت، سبحانه. يتكلم إليك أنت!!
ربنا الله حاضر في كل آية يخبرك عن نفسه العلية، يعظك، يأمرك وينهاك، ويُرغبك في فضله وكرمه، ويُبصرك بما قد كان من حال الطائعين وحال العاصين.
هذا هو القرآن.. كلام الله. الله بنفسه هو الذي يتكلم.
ولك أن تتدبر لو أن عظيمًا، أو حبيبًا- من الناس كتب إليك رسالة كيف سيكون حالك وأن تقرؤها!!
وأخذهم بما يمليه عليهم (على القارئ) من أسئلة تستوجب التفكير والإجابة، وأخبار تستوجب التفاعل معها بأخذ وترك. فبالله عليك حدثني: كيف تمر سريعًا- وخاصة في جوف الليل الآخر- على سؤال كهذا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أو سؤال كهذا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أو خبرٍ كهذا: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾. (الشعراء)
السياق القرآني يملي عليك ما تجهله، ويستثير تفكيرك وأحاسيسك.. يفتح أفقًا أوسع، ويغلق آفاقًا فتحها عليك شياطين الإنس والجن.
حين تقرأ بهدوء تصرخ من شدة ما تجد: حركة الصوت والمعاني و… لا تكاد تتحمل!!
ومن ذلك الأسئلة المتتالية في النصف الثاني من سورة الطور والتعقيب عليها.. من قول الله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ إلى آخر السورة.
وصاحبنا هذا -ومثله كثيرون- لا يكذب.. يحكي حال نفسه هو. فقد مرّ -وأمثاله-، بآيات الله ولم تؤثر فيه بحسن البيان، ولم تقشعر منها جلودهم، ولم تمسك بهم المعاني وتجعلهم يترددون على الآية الواحدة كمن رأى حَسَنًا مليحًا فلم يستطع مفارقته، أو كمن رأى حميدًا، غنيًا، كريمًا فراح يتضرع إليه لقضاء حاجته ولمزيدٍ من فضله.. نسأل الله لنا ولكم من فضله.
وقتها قلت: على صاحبنا هذا وأمثاله أن يسأل: لماذا لا يجد ما وجد ابن مسعود رضي الله عنه والصالحون في الأمة؟ لا أن يشكك في وجوده ويتهم السادة ضمنًا. وخاصة أنه درس الأدب وعامة أهل الأدب نبتوا تحت ظلال القرآن: حلوهم وحامضهم.
ودعك من صاحبنا هذا، فحالي وحالك مثله في الغالب!!
سل نفسك: أين الذي وجده ابن مسعود؟
أين جمال القرآن؟ أين التأثر بالقرآن؟ لماذا نمر سريعًا ولا تمسكنا المعاني كما فعلت بهم؟!
وخاصة أن بيننا من حالهم كحال السابقين بإحسان!!
من أيام قليلة ذهبت لواجب العزاء في قريبٍ لي، والناس صامتون لآيات بينات من الذكر الحكيم، تقرأ على مهل (قرآن مجوّد) بصوتٍ حزين، والموت حاضر قد هدّهم.. أو هدّ بعضهم. وأحدهم ينتفض مع الصوت. لا يكاد يستقر من حركة الصوت.. من المد.. والغنّ… ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، (الزمر: 23) إن التدبر، وإن التأثر بما فيك أنت.. بما تعرف عن ربك وآياته في الخلق وفيك.
إن التدبر، وإن التأثر فرع على الفهم. فالبداية من التعرف على أسماء الله وصفاته وآثارها في خلقه!
فإلى الله.






