في إدارة الصراعات تتقدم مجموعه من الاستراتيجيات لتحكم حركة الصراع بين القوي المتنافسة سواء على النفوذ أو القوة أو السيطرة على القدرات والموارد وتبدأ موازيين القوي واستراتيجيات الصراع في العمل.
وتاريخ الصراعات غير المتكافئة يطرح سؤالًا متكررًا: هل يؤدي اغتيال القادة إلى انهيار التنظيمات والدول، أم إلى إعادة تشكيلها بصورة أكثر مرونة وخطورة؟
في الحالة الإيرانية ومحور المقاومة، يتجاوز السؤال البعد الأمني إلى أبعاد أعمق من بينها بنية النظام، طبيعة الشبكات، وعقيدة الصراع.
أولًا: منطق «قطع الرأس» في العقيدة الإسرائيلية–الأمريكية؟
تعتمد الاستراتيجية الأمنية في كثير من الأحيان على ما يُعرف بـ«Decapitation Strategy» (استراتيجية قطع الرأس)، أي استهداف القيادات العليا بهدف:
إرباك منظومة القيادة والسيطرة.
خلق فراغ تنظيمي.
ضرب المعنويات والرمزية.
إبطاء أو تعطيل العمليات.
وقد نجحت هذه الاستراتيجية في حالات معينة، خاصة مع التنظيمات المركزية الهشة. لكن السؤال: هل تنطبق هذه القاعدة على إيران ومحورها؟
ثانيًا: طبيعة النظام الإيراني – دولة لا تنظيم.
إيران ليست ميليشيا أو تنظيمًا هرميًا بسيطًا، بل هي:
دولة مؤسسات عميقة.
تمتلك طبقات قيادية متعددة (سياسية – عسكرية – أمنية – عقائدية).
لديها نظام خلافة وظيفي داخل المؤسسات (الحرس الثوري، مجلس الأمن القومي، القيادة العليا).
فاغتيال قائد فيها بحجم قاسم سليماني مثلا او علي لاريجاني او رضا سليماني لم ولن يؤدِّ إلى انهيار، بل إلى: إعادة توزيع الأدوار- تصعيد محسوب – تعزيز سردية «الاستشهاد».
ثالثًا: محور المقاومة –شبكة لا مركز.
الخطأ التحليلي الشائع هو التعامل مع “محور المقاومة” ككيان واحد مركزي، بينما هو في الحقيقة: شبكة متعددة العقد (Networked System)
تضم: حزب الله – فصائل عراقية – جماعات في اليمن – حركات في فلسطين……
خصائص هذه الشبكة:
- لامركزية نسبية.
- استقلال عملياتي لكل ذراع.
- وحدة عقائدية/استراتيجية عامة.
- قدرة على التعويض السريع للقيادات.
فاغتيال قائد في عقدة معينة لا يعني انهيار الشبكة، بل:
قد يؤدي إلى تصعيد في عقد أخرى. أو إعادة توزيع الضغط جغرافياً.
رابعًا: أثر الاغتيالات – تكتيكي أم استراتيجي؟
1) التأثير التكتيكي: (قصير المدى)
ارتباك مؤقت.
فقدان خبرات نوعية.
تأخير عمليات محددة.
2) التأثير الاستراتيجي: (طويل المدى)
في حالة إيران ومحورها: محدود للغاية لأن العقيدة لا تعتمد على الفرد والقيادة موزعة والنظام يمتلك “ذاكرة مؤسسية.
خامسًا: عامل «الرمزية»- حين يتحول القائد إلى فكرة.
في هذه البيئة، الاغتيال لا يقتل الفكرة… بل أحيانًا يُخلّدها با قد يُحوّل القائد إلى رمز تعبوي وقد يزيد من التجنيد والدافعية. بمعنى أن الاغتيال قد ينجح أمنيًا، لكنه يفشل نفسيًا واستراتيجيًا.
سادسًا: متى يمكن أن ينهار هذا النموذج؟
رغم ما سبق، هناك سيناريوهات قد تجعل الاغتيالات أكثر تأثيرًا:
1) إذا ترافقت مع:
انهيار اقتصادي داخلي حاد.
صراع داخل النخبة الإيرانية.
فقدان الشرعية المجتمعية الشعبية.
2) أو إذا استهدفت:
سلسلة قيادية كاملة بشكل متزامن.
بنية الاتصالات والسيطرة.
3) أو إذا تحولت الضربات إلى:
حرب شاملة تستنزف الموارد.
سابعًا: الخلاصة الاستراتيجية
إيران ومحور المقاومة لا ينهاران باغتيال القادة… لكنهما يتأثران.
من «اغتيال الأفراد» إلى «صراع الأنظمة»
المعركة لم تعد بين أشخاص، بل بين نموذج دولة شبكية عقائدية (إيران ومحورها) ونموذج تفوق عسكري تقني (إسرائيل وحلفاؤها). وفي هذا النوع من الصراعات لا تُحسم النتائج باغتيال قائد.. بل بكسر منظومة كاملة أو إنهاكها.


