البنوك والطفرة العقارية.. من يموّل التوسع؟
زيادة المشروعات ترفع احتياجات التمويل.. والبنوك أمام معادلة بين دعم النمو وإدارة المخاطر
مع استمرار الدولة في التوسع العمراني وطرح أراضٍ جديدة وإطلاق مشروعات عقارية في المدن القائمة والجديدة يبرز سؤال أساسي: من سيوفر التمويل اللازم لتنفيذ كل هذه المشروعات؟
فالقطاع العقاري لا يحتاج فقط إلى أموال لشراء الأرض وبدء البناء وإنما يحتاج إلى تمويل يمتد لسنوات يشمل الإنشاءات ورأس المال العامل وسداد مستحقات شركات المقاولات إلى جانب تغطية الفجوات التي قد تظهر بين الإنفاق والتحصيل.
وهنا يأتي دور البنوك التي تمثل أحد أهم مصادر التمويل لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على جودة محافظها الائتمانية وعدم تحمل مخاطر أكبر من قدرتها على الإدارة.
احتياجات أكبر للتمويل
كلما زاد عدد المشروعات زادت الحاجة إلى التمويل. لكن المشكلة أن القطاع العقاري يختلف عن أنشطة اقتصادية أخرى لأن المشروع قد يستغرق سنوات حتى يكتمل ويبدأ في تحقيق عوائد كاملة.
وخلال هذه الفترة يمكن أن ترتفع أسعار مواد البناء أو تكلفة العمالة كما قد تتغير معدلات البيع والتحصيل. وبالتالي فإن التمويل الذي يبدو كافيًا في بداية المشروع قد لا يغطي احتياجاته بعد فترة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحجم التمويل وإنما أيضًا بتوقيت الحصول عليه ومدته.
فالمطور يحتاج إلى تمويل يتناسب مع مراحل المشروع بينما تحتاج شركة المقاولات إلى سيولة تساعدها على تنفيذ الأعمال وتحمل تكاليفها إلى أن تحصل على مستحقاتها.
أين تظهر الفجوة؟
من الصعب تحديد رقم واضح للفجوة بين احتياجات المشروعات وحجم التمويل المتاح خاصة مع اختلاف طبيعة كل مشروع وتعدد مصادر التمويل.
لكن هناك فارق واضح بين الشركات الكبيرة التي لديها تاريخ طويل ومشروعات قائمة وتدفقات نقدية معروفة وبين الشركات المتوسطة والصغيرة التي لا تزال تبني سجلها في السوق.
ومن الطبيعي أن تكون البنوك أكثر حذرًا عند تمويل مشروع جديد أو شركة ليس لديها سجل طويل لأن القرار الائتماني يعتمد على قدرة العميل والمشروع على سداد التمويل.
المشكلة أن المراحل الأولى للمشروع هي في الوقت نفسه الأكثر احتياجًا للسيولة والأعلى من حيث المخاطر.
فشراء الأرض والحصول على التراخيص وتجهيز الموقع وبدء الإنشاءات كلها تحتاج إلى أموال قبل أن تبدأ المبيعات والتحصيلات في توفير تدفقات نقدية واضحة.
تكلفة البناء.. مشكلة تتغير معها الحسابات
ارتفاع تكلفة البناء يمكن أن يغير حسابات المشروع بالكامل.
فإذا زادت أسعار الحديد والأسمنت والخامات أو ارتفعت تكلفة العمالة ترتفع تكلفة تنفيذ المشروع. وفي المقابل لا يستطيع المطور دائمًا رفع أسعار الوحدات بالقدر نفسه لأن ذلك قد يؤثر على قدرة العملاء على الشراء وسرعة المبيعات.
وبالتالي يصبح المشروع أمام معادلة صعبة بين تكلفة التنفيذ وسعر البيع وسرعة التحصيل.
وهذه المعادلة تهم البنك أيضًا لأن ارتفاع التكلفة أو تباطؤ المبيعات قد يؤدي إلى نقص السيولة وبالتالي زيادة احتياج الشركة إلى التمويل.
كيف تنظر البنوك إلى المشروع؟
لم يعد تقييم المشروع يعتمد فقط على قيمة الأرض أو الضمانات المقدمة.
فالقدرة على التنفيذ وخبرة المطور وسجل المشروعات السابقة ونسبة الإنجاز وحجم المبيعات والتحصيلات كلها عناصر تساعد البنك على معرفة مدى قدرة المشروع على سداد التمويل.
وهذا لا يعني أن الضمانات أصبحت غير مهمة لكنها لم تعد العامل الوحيد في القرار.
كما أن مدة التمويل تمثل عنصرًا أساسيًا. فالمشروع الذي يحتاج إلى عدة سنوات حتى يحقق عوائده لا يناسبه بالضرورة تمويل قصير الأجل لأن مواعيد سداد القرض يجب أن تتناسب مع توقيت دخول الأموال إلى المشروع.
المطور والمقاول.. احتياجات مختلفة
احتياجات المطور العقاري تختلف عن احتياجات شركة المقاولات.
المطور يعتمد بشكل كبير على المبيعات والتحصيلات بينما تتحمل شركة المقاولات تكلفة العمالة والخامات والمعدات قبل تحصيل مستحقاتها.
لذلك تحتاج شركات المقاولات إلى تمويل رأس المال العامل بصورة أكبر في حين يحتاج المطور إلى تمويل يرتبط بمراحل المشروع ونسب التنفيذ والمبيعات. وهذا يعني أن السوق يحتاج إلى منتجات تمويلية متنوعة وليس إلى نموذج واحد يصلح لجميع الشركات والمشروعات.
هل تكفي البنوك وحدها؟
مع زيادة حجم المشروعات يصبح من الصعب أن تتحمل البنوك وحدها كل الاحتياجات التمويلية.
وهنا تظهر أهمية أدوات أخرى مثل القروض المشتركة والتوريق والتمويل غير المصرفي.
القروض المشتركة يمكن أن تساعد في تمويل المشروعات الكبيرة بينما يسمح التوريق بتحويل بعض التدفقات المستقبلية إلى سيولة حالية ويمكن للتمويل غير المصرفي أن يوفر بدائل للشركات التي لا تناسبها شروط القروض المصرفية التقليدية.
والهدف ليس تقليل دور البنوك وإنما توزيع مصادر التمويل والمخاطر بين أكثر من جهة.
المخاطر لا تنتهي بعد الحصول على القرض
الحصول على التمويل ليس نهاية القصة.
فقد تتغير ظروف المشروع بعد الحصول على القرض ترتفع التكلفة أو تتباطأ المبيعات أو تتأخر التحصيلات أو يتأخر التنفيذ.
ولهذا تحتاج البنوك إلى متابعة المشروعات بشكل مستمر وليس فقط تقييمها عند منح التمويل.
كما أن توزيع التمويلات على عدد أكبر من الشركات والأنشطة يساعد على الحد من مخاطر تركّز القروض في عدد محدود من العملاء أو المشروعات.
ماذا ينتظر السوق خلال العامين المقبلين؟
خلال العامين المقبلين سيعتمد نمو التمويل العقاري على عدد المشروعات التي تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي وتطور المبيعات والتحصيلات وتكلفة التمويل وقدرة المطورين والمقاولين على تحمل التزامات جديدة.
ولذلك من الصعب اختزال مستقبل التمويل في رقم واحد.
الأهم هو أن تتوافر السيولة في الوقت المناسب وأن يحصل كل مشروع على التمويل الذي يتناسب مع احتياجاته ودورة إيراداته مع استمرار البنوك في إدارة المخاطر.
فالنجاح لا يقاس بعدد المشروعات التي يتم الإعلان عنها وإنما بقدرتها على التنفيذ والاستمرار.
فإذا وصلت الأموال إلى المشروعات القابلة للتنفيذ في الوقت المناسب واستُخدمت في استكمال البناء وتحريك النشاط، يمكن أن يصبح التمويل المصرفي أحد المحركات الرئيسية للتوسع العمراني.
أما إذا ظل التمويل متاحًا بصورة أكبر للمراحل الأقل مخاطرة بينما بقيت المراحل الأولى من المشروعات تبحث عن مصادر بديلة للسيولة، فستظل هناك فجوة بين حجم الخطط المطروحة وسرعة تنفيذها.
وفي النهاية الطفرة العقارية لا تقاس بعدد المشروعات التي تبدأ، وإنما بعدد المشروعات التي تصل إلى النهاية.


