د. محمد علي المصري يكتب: هل نحن أموات؟ أو لم نعرف الحياة الحقيقة بعد؟!
عندما يقترب الإنسان من الموت (يعرف) و(يرى): (لقد كنتَ في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد) حاد وقوي ونافذ، لانكشاف (غطاء) الدنيا الزائف الذي لفَّ بصرك، فلم تكن ترى الأشياء على حقيقتها.
عندها يكتشف الإنسان أنه لم يكن يحيا، فقد كان ميْتًا، ويسمي ما هو فيه (حياة)، فانكشف الغطاء وعرف أنه لم يكن يحيا ..!
ولهذا يقول (يا ليتني قدمتُ لحياتي)، ولم يقل قدمت لآخرتي!
فهو في الآخرة على الحقيقة،
لكنه عرف أنها الحياة!
وما قبلها ينافيها،
فنحن في الدنيا إما أموات، أو في حياة زائفة، ليست هي الحياة الحقيقية!
وعدم إتْبَاعِه لوصف الحياة في الآخرة بأنها الحياة الحقة؛ كأن يقول (ليتني قدمتُ لحياتي الحقة) أو نحو ذلك، بما يفيد إسباغه وصف الحياة بحده الأدنى على الحياة الدنيا والحياة الآخرة؛ دل على أنه ينفي صفة الحياة أصلاً عمّا عاشه في الدنيا، وعمّا سبق حياته الآخرة، فلا حياة إلا هذه الحياة وفقط، ولهذا تمنّى أن يكون قدَّم لها في الدنيا فيما يشبهها اسمًا لا صفة!
ولعل النبي ﷺ قد أشار إلى هذا المعنى أثناء حفر الخندق، فقال ﷺ: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأغفر للأنصار والمهاجرة)، كأنها أهازيج لتسليتهم أثناء نقلهم للتراب على أكتافهم لحفر الخندق لحماية المدينة.
وبما ذكرناه من أن المقصود بهذه الحياة (الآخرة): قتادة ومجاهد على ما نقله الطبري واختاره، والبغوي، والسعدي وغيرهم، وقدم القرطبي أن اللام بمعنى في، أي قدمت في حياتي الدنيا، ونقل القول الأول،
وحقيقة الأمر أن اللام في قوله (لحياتي) تحتمل معنى التأقيت، أي زمن حياتي الدنيا، على ما اختاره القرطبي، دون تأويل (اللام) إلى (في)،
وتحتمل أيضا أن تكون اللام للعِلّيّة، أي قدمتُ من الأعمال الصالحة لأجل الحياة الحقيقة في الآخرة،
والثاني أقرب، لأن من معاني اللام على الحقيقة هو (لأجل)، كقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس)، أي لأجل أن تبين، ولعدم احتياجه لتأول اللام إلى (في)، بالرغم من أن القاعدة أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، على ما ذهب إليه الكوفيون، وعارضهم في ذلك البصريون، وهو ظاهر كلام سيبويه، لكنه حتى على ما قعّده الكوفيون؛ على خلاف الأصل، والأصل أن يكون لكل حرف منها مكان يحله، ومعنى يؤديه.
فضلا عن أن المعنى بعد أن رأى ما لم يكن يراه، وعرف ما لم يكن يعرفه، وبعد أن أصبح بصره حادا قويا نافذا بعد انكشاف الغطاء عنه أليق أن يكون قد عرف أنه انتقل إلى (الحياة)، فتمنى أن يكون قد قدم لها، وعمل لأجلها .. فهي خلود بلا نهاية، إما في نعيم، وإما في جحيم!!