سأذكر هنا نماذج من الحوارات التي وقفت عليها بنفسي، والتي يمكن أن نشخص من خلالها طريقة تفكير شرائح ليست قليلة في مجتمعاتنا.
النموذج الأول: دكتورة يمنية لها رأي خاص في (الخلافة)
على شاشة التلفزيون سألها المحاور عن رأيها في (السقيفة) واختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين؟
فقالت: هذا ظلم كبير وقع على اليمنيين! لأن سكان المدينة الأصليين هم الأوس والخزرج وهما قبيلتان يمنيتان، والمهاجرون جاءوا ضيوفا ولاجئين، فكيف يستبعد أهل البلد من الحكم ويحكم اللاجئ الغريب؟
ربما فات الدكتورة أن المسلمين قد أسسوا في ذلك الوقت دولة تضم الجزيرة العربية كلها، ولم يعد هناك فصل بين (مكة) و (المدينة)
النموذج الثاني: الحسين سعودي أم عراقي؟
رجل سعودي يسأل شيعيا عراقيا: ياخي أنتم من تقصدون بشعار (يا لثارات الحسين) فقال الشيعي: نقصدكم أنتم، لأنكم أنتم الذين قتلتم الحسين. فقال السعودي يا سبحان الله الموضوع بالعكس، فالحسين سعودي وأنتم أهل العراق قتلتموه، فنحن الذين نطلبكم بالثأر.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد صرح أحد المسؤولين العراقيين: أن أبا جعفر المنصور هو (لفو) ترك المدينة وجاء للعراق، وربما نسي هذا المسؤول أن الذي ينطبق على المنصور ينطبق كذلك على الخليفة علي وعلى أولاده أيضا.
النموذج الثالث: الحسين و(الگيمر العراقي)
شباب عراقيون شيعة على إحدى الصفحات كانوا يتغزلون بالگيمر، وهو -لمن لا يعرفه- أشبه بالقشطة السميكة، ويستخرج غالبا من حليب الجاموس، وهو الإفطار المفضل لدى عامة العراقيين،
دخل على المحادثة شاب إيراني يجيد العربية، فصار يسألهم عن (الگيمر) وهم يجيبونه ويشرحون له بإسهاب.
فرد عليهم الإيراني قائلا: هذا نحن لا نأكله، وإنما نرميه للكلاب.
هنا ثارت ثائرة الشباب، وتوتر الموقف غاية التوتر، حتى قال له أحدهم متهكما وبلهجته العامية (من هذا نشوف الإيرانيين يزدحمون على لفات الگيمر في كربلاء عند الزيارة ويتعاركون عليه)!
أدرك الإيراني أنه وقع في ورطة، فاستدرك، وقال: نعم هذا صحيح فنحن نتعارك على الگيمر وعلى غير الگيمر طلبا لبركة الحسين!
هنا كأنه صب عليهم الماء البارد، وصاروا هم الذين يعتذرون له.
ربما (حرامية المليارات) تعلموا أيضا من هذا الشاب كيف يصبون الماء البارد على الشعب المسلوبة ثرواته بمثل تلك الكلمات العاطفية والطائفية.
هذه النماذج لا ينبغي أن نمر عليها ونكتفي بالضحك، لأنها حقيقة على تفاهتها باتت تشكل ثقافة لطبقات أو شرائح ليست قليلة، وربما سيترتب عليها ما هو أخطر منها. والله المستعان


