بعد قيام حركة الضباط في يوليو 1952 التقت الدكتور “درية شفيق” اللواء “محمد نجيب” رئيس مجلس قيادة الثورة، وأعربت أمامه عن أملها في أن يدعم الضباط حقوق المرأة، وقد حدث في البداية أن منح الضباط المرأة حقوقاً جديدة، مثل حقها في الانضمام إلى الحرس الوطني، لكن “درية” بدأت تشعر بالإحباط بمرور الوقت، وتعددت تحفظاتها على ما يحدث، فقد فوجئت بأن المسألة مع طبقة الحكم الجديدة لا تتعلق فقط بالاعتراف بحقوق المرأة، بل بحقوق الجميع، بعد أن بدأت الحركة تنتهك بشكل صريح حرية الآخرين، واتجهت بشكل متزايد نحو إنكار الحرية على صعيد الفرد والأمة وعلى الصعيد الدولي.. وتساءلت “درية” في مذكراتها: “ما هذه الهوة التي تتجه إليها بلادي؟”.
بتاريخ 12 مارس 1954 دخلت “درية شفيق” في إضراب عن الطعام حتى الموت احتجاجاً على تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع دستور جديد، دون أن تضم امرأة واحدة. واختارت أن يكون إضرابها بنقابة الصحفيين لأن الصحافة ترتبط ارتباطاً أصيلاً بحركات التحرير. وانضم إليها بمجرد بدئها الإضراب 8 سيدات أخريات، ثم أخذ عدد الداعمات لدرية شفيق يزيد يوماً بعد يوم، وانقلبت الصحافة رأساً على عقب، وبدأت تهتم اهتماماً بالغاً بهذا الحدث، ونجحت “درية” في تحدي مجلس قيادة الثورة. وبعد ستة أيام من الإضراب بدأت صحة بعضهن في التضعضع ودخلن مرحلة خطر، ولم يتوقف الإضراب إلا بعد أن أرسل لها “محمد نجيب” محافظ القاهرة ليؤكد لها -كتابة- أن الدستور الجديد سيمنح المرأة كافة حقوقها السياسية.
لم تمض أيام على هذا الوعد حتى تمكن جمال عبد الناصر من الإطاحة بمحمد نجيب وسيطر على الحكم في البلاد مع مجموعته من الضباط. كانت “درية شفيق” تراقب انهيار مؤسسات الديمقراطية في مصر، بدءاً من العام 1954، فتشعر بالأسى والحزن، وسيطر عليها إحساس بأن البلاد تعود إلى الوراء، في المقابل كان النظام الجديد يعتبرها واحدة من “سيدات الصالونات” من بقايا العهد الإقطاعي البائد، خصوصاً بعد أن صدر دستور 1956 مشتملاً على نص بأن تنال المرأة حقوقها السياسية، في الانتخاب والترشح، بشرط أن تكون السيدة التي تحظى بهذا الحق تجيد القراءة والكتابة (وهو لا ينسحب على الرجال)، ما اعتبرته درية شفيق تمييزاً ضد المرأة. لم تسكت “درية شفيق” وقررت التحرك وحدها دفاعاً عن الحرية والديمقراطية، بعدما رأت البلاد تسير بسرعة نحو أجواء التضييق والمحاصرة.
عصر يوم الأربعاء 6 فبراير 1957 دخلت الدكتورة “درية شفيق” السفارة الهندية واعتصمت بها وأعلنت الإضراب عن الطعام، ووجهت بياناً إلى عبد الناصر تقول فيه إنها لن تتراجع عن موقفها حتى تعود الحرية الكاملة للمصريين.
واستشاطت السلطات المصرية غضباً لعجزها عن القبض على “درية” داخل السفارة الهندية، بالإضافة إلى المساحات الواسعة التي أفردتها الصحافة الأجنبية لتغطية الحدث.
وخلال أيام وجودها بالسفارة الهندية كانت الثائرة “درية شفيق” تجد أنسها وسبيل اطمئنانها في القرآن الكريم.
تقول في مذكراتها: “كلما قرأت آيات من القرآن أو سمعت النداء للصلاة من المئذنة شعرت بقلقي يزول وبعبء ينزاح من على قلبي”. تدهورت الحالة الصحية لدرية شفيق وتم نقلها إلى المستشفى، وتم تهديدها في أسرتها، فانزوت في بيتها، وتأرجحت ردود الأفعال حول ما فعلته ما بين الامتداح في السر، إذ تمنى كثيرون حينها أن يفعلوا ما فعلته، مثلما كتب جلال الدين الحمامصي، وكانت وقتها توصف بـ”رجل مصر الوحيد”، والنقد العلني الصارخ والساخر، واعتبار تصرفها خيانة، كما كانت تصف “إنجي أفلاطون”.


