مفارقة البقاء المترنح وتآكل الشرعية
تشهد الخريطة السياسية في إيران تحولات بنيوية دقيقة تكشف حدود القدرة المؤسسية على احتواء الغضب المجتمعي. ومع بلوغ المنحنى التصاعدي لأحكام الإعدام مستويات غير مسبوقة -تجسدت في القفزة الصادمة بتسجيل 2200 حالة إعدام، وصولاً إلى التصعيد المنهجي ضد النشطاء السياسيين وأعضاء المعارضة خلال العام الجاري- تتأكد القراءة الموضوعية لطبيعة هذه السياسات.
إن هذا التصعيد المحموم لا يعبر عن فائض قوة، بل يترجم في جوهره حالة من الذعر الوجودي أمام اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، وانخراط أجيال جديدة في مسارات المواجهة المنظمة. إن اللجوء المفرط إلى العقوبات القصوى يعكس تآكلاً تدريجياً في الأوراق المتبقية لشرعية البقاء، ويؤكد فشل الآليات التقليدية في تطويق السخط العام المنفجر في الشارع الإيراني بمختلف قطاعاته.
إرث المساومات الدبلوماسية وغطاء الصمت
لا يمكن فصل الأداء القمعي الراهن عن سياق تاريخي أطول من التغاضي الدولي والمساومات السياسية القائمة على المصالح.
وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القضائية الموثقة، مثل تلك التي أدلى بها قاضي التحقيق السابق في قضايا مكافحة الإرهاب في باريس مارك تريفيديك، دلالة تحليلية عميقة؛ إذ كشفت عن تقاطعات نفعية سابقة بين عواصم غربية وطهران، جرى خلالها استغلال الأطر القضائية لأغراض سياسية تخدم صفقات الطاقة والمصالح التجارية على حساب حقوق الإنسان.
إن هذا الإرث من الصمت الدولي والمقايضات الدبلوماسية وفر غطاءً ضمنياً مكن النظام من التمادي في انتهاكاته المنهجية، الأمر الذي جعل الإفلات من العقاب سمة بارزة طبعت العقود الأربعة الماضية، وشجعت أجهزة الأمن على التمادي في ارتكاب التجاوزات دون خشية أي رادع دولي حقيقي.
وثائق الإدانة الأممية وتكييف الجرائم
على الصعيد الحقوقي الدولي، شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في مقاربة المؤسسات الأممية للانتهاكات المرتكبة داخل إيران. فقد تجاوزت التقارير الصادرة عن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران جاويد رحمن، فضلاً عن تحقيقات بعثة تقصي الحقائق ومنظمة العفو الدولية، حدود التنديد الإنشائي إلى التوصيف القانوني الدقيق. إذ صنفت هذه المرجعيات مجزرة السجناء السياسيين لعام 1988 وقمع الاحتجاجات المتعاقبة بأنها جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية كاملة الأركان.
هذا التراكم الحقوقي والمستندات الدامغة وضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وقانوني صارم، معرّياً الرواية الرسمية ومقوضاً بالكامل شرعية الخطاب الأمني المبرر للقمع وسفك الدماء.
مسارات المحاسبة الدولية وتفكيك الحصانة
في مواجهة هذا الانسداد البنيوي واستمرار آلة القمع، تطرح قوى المعارضة الديمقراطية، ممثلة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وبقيادة مريم رجوي، أجندة عملية متكاملة لإرساء آلية دولية لمحاسبة المسؤولين.
ترتكز هذه الرؤية الإستراتيجية على أربعة محاور أساسية تكفل تفكيك منظومة الإفلات من العقاب؛ تشمل إحالة ملف حقوق الإنسان ومجزرة الثمانينات إلى مجلس الأمن الدولي، وإلزام السلطات بقبول زيارات ميدانية مستقلة للسجون، وتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الدولية، فضلاً عن ربط مسار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بوقف تنفيذ عقوبات الإعدام فوراً. إن تبني هذه المقاربة القانونية والسياسية يمثل اختباراً حقيقياً لمدى جدية المجتمع الدولي في ترجمة الشعارات الحقوقية إلى سياسات عملية ضاغطة تنهي عقوداً من الحصانة.


