منذ أكثر من 600 يوم، تعيش مدينة الفاشر في غرب السودان تحت حصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) المدعوم من محمد بن زايد. هذه المدينة، التي كانت في الماضي رمزاً للحضارة والعطاء، أصبحت اليوم عنواناً لمأساة إنسانية غير مسبوقة.
في الأيام الأخيرة، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مقر قيادة الجيش في الفاشر، لتسقط بذلك آخر معقل كبير للجيش السوداني في إقليم دارفور. هذا التطور ليس عسكرياً فقط، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية خطيرة، لأنه يمنح هذه القوات موقعاً محورياً في معادلة الصراع داخل السودان و محاصرة مصر من الغرب و الجنوب.
مأساة إنسانية يومية
كان يعيش في الفاشر نحو 1.5 مليون نسمة، من بينهم أكثر من 800 ألف نازح من مناطق دارفور الأخرى. اليوم، لم يبقَ سوى 260 ألف إنسان محاصرين داخل المدينة، نصفهم تقريباً أطفال.
الحصار شامل:
* الطرق مغلقة.
* الإمدادات الغذائية مقطوعة.
* الأسواق متوقفة.
* الناس يعانون الجوع، والعائلات تعتمد على الحطب وأوراق الأشجار للطهي.
الأمم المتحدة تؤكد أن ثلاثة أطفال يموتون يومياً بسبب الجوع، وأن أكثر من 6000 طفل مصابون بسوء تغذية حاد دون علاج. رحلة الهروب من المدينة ليست أكثر أمناً؛ فهي محفوفة بالقصف والكمائن والمجاعة في الطريق.
طبقات من الموت
مأساة الفاشر ليست نوعاً واحداً من العنف، بل مستويات متعددة من الانتهاكات:
1- الحصار والتجويع: قطع كامل للإمدادات ومنع دخول المساعدات.
2- النزوح القسري: تهجير عشرات الآلاف في ظروف قاسية.
3- القصف اليومي: استهداف الأحياء السكنية والمستشفيات والمساجد.
4- استهداف العاملين في الإغاثة: مقتل أطباء ومتطوعين أثناء تأدية مهامهم.
5- العنف الجنسي: تقارير أممية تؤكد أن قوات الدعم السريع التي تمولها و تدعمها الإمارات ترتكب عمليات اغتصاب جماعي واستعباد جنسي في المناطق التي تسيطر عليها.
في أسبوع واحد فقط من شهر أكتوبر، قُتل المئات في قصف متزامن استهدف مسجداً ومركز إيواء و مستشفى و بالإعدامات الميدانية.
دور الإمارات في دعم قوات حميدتي
تقول تقارير أممية وإعلامية إن الإمارات لعبت دوراً محورياً في تعزيز قوة الدعم السريع:
* تمويل وتسليح عبر شبكات غير مباشرة.
* خطوط إمداد لوجستية من خلال تشاد وليبيا.
* جسر جوي لنقل السلاح والمعدات.
* استقدام مرتزقة أجانب، بينهم كولومبيون وإثيوبيون، بواسطة شركات أمنية خاصة.
وفقاً لتحقيق مشترك بين صحف دولية، تلقى المقاتلون المرتزقة رواتب تصل إلى 2600 دولار شهرياً، ويشاركون في تدريب مجندين صغار السن.
هذا الدعم منح قوات حميدتي تفوقاً ميدانياً، خاصة بعد فشلها في السيطرة على الخرطوم في بداية الحرب. السيطرة على الفاشر بالنسبة له ليست مجرد نصر عسكري، بل خطوة لتثبيت شرعية سياسية وإقليمية.
أرقام صادمة من قلب الكارثة
30 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
9.6 ملايين نازح داخل البلاد.
15 مليون طفل في وضع خطر.
في الفاشر وحدها، **260 ألف شخص** محاصرون، من بينهم 130 ألف طفل.
ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية وانعدام شبه كامل للأدوية.
انهيار المنظومة الصحية، ونفاد مخزون الغذاء العلاجي.
المنظمات الدولية -مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الهجرة الدولية- تحذر من مجاعة وشيكة، لكن الحصار يمنع دخول الإمدادات.
صراع إقليمي على أرض سودانية
الحرب في دارفور ليست معزولة عن الإقليم. الإقليم غني بالذهب، ويقع على مفترق طرق يربط السودان بتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. السيطرة عليه تمنح قوة عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة،خاصة على مصر.
الإمارات، وفق التقارير، تدعم قوات حميدتي من أجل ضمان نفوذها في منطقة استراتيجية تشكّل بوابة نحو غرب أفريقيا ومواردها الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، تدور مفاوضات غير مباشرة في واشنطن ضمن ما يسمى “الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات)، تتحدث عن “هدنة إنسانية”، بينما الواقع على الأرض يتجه نحو مزيد من التصعيد.
الفاشر… رمز للمأساة والصمود
الفاشر لم تعد فقط اسم مدينة، بل صارت عنواناً لأكبر مأساة إنسانية في السودان المعاصر.
* مدينة محاصرة.
* أطفال يموتون جوعاً.
* نساء يتعرضن للعنف.
* بنية تحتية مدمَّرة.
* ومجتمع يواجه الانهيار الكامل.
وفي الوقت نفسه، أصبحت رمزاً لصمود المدنيين في وجه واحدة من أعنف المليشيات في المنطقة.
الخلاصة
* مأساة الفاشر ليست حادثاً عابراً، بل جزء من مشروع للسيطرة على دارفور.
* قوات حميدتي تتلقى دعماً خارجياً واضحاً، وعلى رأسه الإمارات.
* الحصار يقتل الناس ببطء، بينما العالم يكتفي ببيانات القلق.
* إنقاذ الفاشر ليس مسؤولية إنسانية فقط، بل ضرورة سياسية وأخلاقية.







