في ٢٠١١ قامت أعظم وأطول ثوره شعبية على أسوأ وأفجر وأطغى نظام في التاريخ المعاصر وعاني بسببها الشعب السوري معاناة مؤلمة حتى كتب الله لهم الفتح الكبير في ٢٠٢٤
واليوم الحكومة والشعب يكافحون من أجل التمكين في هذه الأرض المباركة والتحديات أمامهم غير طبيعية وغير نوعية والواجب العيني على كل مسلم أن يسعي في نصرة هذه البلاد بكل ما يسعه من عمل.
الآن نحن نركب الطيارة باتجاه دمشق الفيحاء وقلوبنا تحنّ لها، ونستذكر قول أحمد شوقي:
لَولا دِمَشقُ لَما كانَت طُلَيطِلَةٌ/
وَلا زَهَت بِبَني العَبّاسِ بَغدانُ/
آمَنتُ بِاللَهِ وَاِستَثنَيتُ جَنَّتَهُ/
دِمَشقُ روحٌ وَجَنّاتٌ وَرَيحانُ/
سوريا اليوم هي روح جديدة عربية إسلاميّة تخرج من رحم الألم إلى فضاء الأمل… فحاول أن تجعل لك سهم في بناء هذه الدولة الفتية.
يقول النبي صلّى الله عليه وسلم: ” اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا..” رواه البخاري
فالبركة معلقة بهذه البلاد بدعوة نبينا صلّى الله عليه وسلم.
فسوريا بلد ليست كسائر البلاد، وهي أغلب الشام وسبب ذلك يعود إلى:
١. العقيدة الإسلامية: الآيات والأحاديث في فضلها كثيرة حتى تشكلت عقيدة عند المسلمين شعار نبوي عظيم (يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، يا طوبى للشام) صححه الألباني.
٢. التاريخ: هي موطن الديانات والحضارات وتاريخ الأمم التي لها عمق وتأثير في الماضي والمستقبل.
٣. المستقبل: الله سبحانه وتعالى جعل هذه البلاد المحطة النهائية للملاحم وانتهاء الدنيا والبدء في مرحلة الآخرة. وهذه البلاد ستبقى بلاد الصراع وبلد الاهتمام السياسي العالمي.
وأنت تنتقل بين المؤسسات وتلتق بالشخصيات في سوريا ترى الشباب الذي كان يقود الثورة السورية هو من يقود التمكين المدني، من الرئيس الشرع وهو بالأربعين حتى أقل مسؤول في الجمهورية.
تواجه سوريا اليوم تحديات كبرى ومتنوعة بعد سنوات من المعاناة والدمار، ولعل من أبرز هذه التحديات:
1- التحدي الاجتماعي:
عاشت سوريا لعقود تحت نظام شمولي، زُرعت خلاله أفكار بعثية وإلحادية شوهت الكثير من المفاهيم الدينية والقيم المجتمعية واليوم، هناك حاجة ماسّة لتصحيح هذه المفاهيم، عبر جهود دعوية هادئة وعميقة.
وزارة الأوقاف، بقيادة الوزير الشيخ أبو الخير شكري، تفتح أبوابها لكل مبادرة تنموية تخدم هذا المسار، مرحبةً بالعلماء والمصلحين والدعاة ممن يحملون رسالة البناء لا الهدم.
2- التحدي الاقتصادي:
سوريا في أمسّ الحاجة لإعادة بناء بنيتها التحتية واقتصادها الوطني الذي يعتبر بالنسبة الشريان للجمهورية
لذا تجد ترحيبًا صادقًا بكل مستثمر عربي أو مسلم من رأس الدولة، سيادة الرئيس أحمد الشرع إلى أصغر مواطن في الشارع.
وقد كانت الدول تتسابق في الاستثمار ولعل آخر مساهمة بارزة مبادرة المملكة العربية السعودية في هذا المجال، حيث أعلنت مؤخرًا عن حزمة دعم استثماري للشعب السوري بقيمة ١٠٠ مليار ريال وإرسال نخبة من التجار المعروفين عددهم ما يقارب 300 شخص للإستثمار في كل المجالات في خطوة تاريخية نحو إعادة الإعمار وبناء المستقبل.
3- التحدي الثقافي:
وهو تحدٍ واسعٌ ومتعدد الأبعاد، يمسّ هوية الإنسان السوري وفكره وانتماءه الحضاري.
وخلال زيارتنا لسوريا الحبيبة التقينا بوزير الثقافة السوري، الشاب، الوسيم، الشاعر، الطموح… محمد ياسين صالح. وكان أول سؤال وجهناه له عن ذلك البيت الشعري الذي لا يُنسى:
“يشيخ الزمان وتبقى الكويت … عروس الزمان بكل الحقب”
ابتسم الوزير وقال:
“جئت إلى الكويت عام 2020، وكانت أيامي حينها مثقلة بالحنين، وشيءٌ من اليأس. رأيت شوارعها وأماكنها، فتذكرت سوريا، وشعرت لحظتها أنني قد لا أراها مجددًا… بلغ اليأس مني مبلغًا كبيرًا.”
ولكنها إرادة الله، التي لا يعجزها شيء. وشاء الله أن يرى سوريا، لا كزائر فقط، بل كأحد أبنائها الموكّل إليهم صناعة نهضتها، كوزيرٍ للثقافة.
وفي حديثه عن المستقبل، طرح الوزير مبادرة تنموية طموحة:
تمكين الشباب من خلال المراكز الثقافية التي تنتشر بمئاتها في مختلف المدن السورية.
هذه المراكز ليست مجرد أبنية، بل منارات إصلاح، وحواضن بناء مجتمعي، وبيئة آمنة وملهمة للفتيان والفتيات على حد سواء.
لنرسم ملامح مشروع ثقافي يعيد لسوريا روحها ووجهها الحضاري الأصيل…من سيرفع الراية؟
من سيقود هذا المشروع النوعي، الذي لا يحتاج فقط إلى فكرة، بل إلى شغف، واستمرارية، وإيمان بسوريا القادمة…
في ظل النظام الشمولي السابق، وتحت حكم أسماء الأسد – الحاكم الفعلي آنذاك – تأسست الأمانة السورية للتنمية، والتي كانت تُعد ذراعًا ناعمة للسلطة في المجال التنموي. وبعد “الفتح”، أعيد هيكلتها لتصبح وكالة التنمية السورية، وهي مؤسسة غير ربحية تُعنى بتمكين الأفراد والمجتمعات، وتُعد اليوم شريكًا استراتيجيًا للدولة في مجالات التنمية المختلفة.
يدير المنظمة فريق من الشباب المتخصصين، يتمتعون بالكفاءة والخبرة، وعلى رأسهم الدكتور فاروق بطحيش، المعروف بحيويته وحركته في ميدان العمل الإنساني. وقد أتيحت لنا لقاءات عديدة معهم، لمسنا فيها روحًا متجددة لدى هؤلاء الشباب، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتعبّر عن رغبة صادقة في التعاون التنموي مع مختلف الجهات ومن هذا المنطلق، نرى أنه من المناسب للعاملين في المجال الخيري ومؤسسات المجتمع المدني أن يُركّزوا جهودهم على دعم هذه المنظمة والمساهمة في تعزيز قدراتها، وتسويق مشاريعها، لأنها تمثل الدولة، وهي الجهة القانونية التي تمتلك الإمكانات والقدرة على إحداث تنمية شاملة ومستدامة. وإذا نجحت، فإن النجاح سيكون مشتركًا ويعود بالنفع على الجميع.
سؤال قد يتبادر إلى الذهن، ما الذي يميز سوريا اليوم عن الأمس؟
من زار سوريا في زمن النظام البعثي، ثم زارها اليوم في ظل الحكومة الإسلامية، لا بدّ أن يشعر بالفرق الكبير، بالرغم من أن هذه التجربة ما زالت في بدايتها ومن أهمها:
١. الأمان الذي كان مفقودًا، ليس فقط على حياتك بل على رزقك، وبيتك، وكرامتك.
٢. كنت تردد عند نقاط التفتيش والجوازات: “اللهم نجعلك في نحورهم فاكفنا شرورهم”.
أما اليوم، فتقول: “اللهم بارك لنا في شامنا”.
٣.وجوه شاحبة عابسة بالأمس، تقابلها اليوم وجوه مشرقة، تستقبلك بالابتسامة والترحيب
٤.انتهى زمن الإنفاق الجبري (الرشوة) وغيرها في كل معاملة. الآن، تنفق بطيب خاطر: صدقة، مساعدة، إكرام… من قلبك لا من خوفك.
٥. الشعب لم يعد يائسًا أو مسحوقًا، بل يغني كل يوم قول الشابي:
“إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة… فلا بد أن يستجيب القدر.”
٦.الأجواء مفعمة بالروح الثورية لا بالاستبداد ولم يعد الوطن زنزانة مفتوحة،
٧.يُكرَّم العلماء، ويُحترم أهل الصلاح، بدلًا من أن يُطاردوا أو يُهمَّشوا.
والفروقات كبيرة بين نظام اليوم والأمس قد نحتاج كتابًا لاختصارها، لكن يكفي أن نقول:
في الشام اليوم، تشعر أنك عزيز وأن البركات تحفّك من كل جانب وهنا تذكرت كلمات أمير الشعراء شوقي، في نكبة دمشق عام 1926:
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ/
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ/
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ/
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ/
جزاكم الله خيرًا يا ثوار الشام، على هذه الحرية ورحم الله شهدائكم، ومكّ الله لأحيائكم.
من اهم المبادرات التي تفتخر فيها َوالتي تبرز إبداعات الثوار وحرصهم على العدالة ومنع سوريا من الاحتقان الطائفي (لجنة السلم الأهلي) ويقودها الأخ حسن صوفان القائد المجاهد وابن اللاذقية الساحلية وتتكون من أعضاء، ينتمون إلى مكونات وطوائف الشعب السوري وعلي رأسهم الطائفة العلوية .
ومن أهم قواعد اللجنة، كما ذكرها صوفان (الاستقرار في البلاد لا يتم فقط عبر العدل وإنما بالمصالحة المجتمعية بين المكونات السورية).
ومن الأمور التي تميز الثوار والحكومة الجديدة أنهم لم يلغوا الأقليات واحترموهم وأشركوهم في وزارات الدولة، وهم حسب الويكيبديا (يشكل المسلمون العرب السنة في سوريا حوالي 70-75% من السكان، والمسيحيون إجمالاً حوالي 10%، والعلويون أقل من 10%، والباقي حوالي 5-10% يتكونون من مجموعات عرقية دينية صغيرة بما في ذلك الدروز وغيره) وهناك تحفظ من بعض المتخصصين على هذه الارقام.
والعجب… من محاولات الأقليات شق وحدة البلد والقضاء على العدالة والحرية وهي تعرف يقينًا موقف النظام السابق منها…….. فلمَ تعارض هذه الدولة المباركة؟؟!!
لذلك على كل مسلم أن يتأمل في هذه البلاد ويقرأ التاريخ والآثار والنصوص ثم يناقش نفسه ماذا يستطيع أن يقدّم؟
وإلى مشاهدات ومبادرات عن سوريا الأمل والمستقبل…..


